الصفحة 42 من 44

لقد طافا على كل البيوت في القرية، ولم يستضفهما أحد، فأهلها - كما يبدو- من أبخل الخلق وأكثرهم شحًا، غريبين في القرية، قد بلغ بهما الإعياء والجوع مبلغهما، لم يجدا سوى الرفض والجفاء من أهل هذه القرية.

وحينما يئسا من كرم القوم، لجئا إلى جدار قديم يكاد يتهدم، ليستريحا قبل مواصلة الرحلة، ولكن العبد الصالح قام على وجه السرعة وفي هذه الحالة من الإعياء والإحباط النفسي من تعامل سكان القرية معهما، فبدأ في إعادة بناء هذا الجدار.

فكان موقف موسى عليه السلام هو الآخر سريعًا أنساه كل شروط الاتباع وحتى الشرط الذي وضعه بنفسه بعد حادث قتل الغلام: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [77] ، وهو يقول بلسان حاله: كيف تبني هذا الجدار لهؤلاء القوم، وهم رفضوا ضيافتنا وإكرامنا، وهم لم يطلبوا منك ذلك، وحتى لو فعلت ذلك فعليك أن تطلب عليه أجرًا، وهذا أقل الواجب.

وجاء الرد حاسمًا وصارمًا من قبل العبد الصالح {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [78] ، هنا تنتهي الرحلة، وتنتهي معها مرحلة التعليم والتحصيل من هذا العلم الجديد، هنا سنفترق، وقبلها لابد من تأويل وتفسير ما خفي عنك، فهذا حقك {سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [78] .

{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [82] .

كان في القرية البخيلة غلامين يتيمين، وكان أبوهما (الجد السابع كما ورد في التفاسير) صالحًا، فأراد الله تعالى أن يكرمهما ويحفظ لهما رزقًا مدفونًا تحت ذلك الجدار، وقد ورد في التفاسير أنه عبارة عن لوح من الذهب كتب عليه حكم وعلم نافع إلى جانب مال وفير، فالعلم رزق سيرثه الغلامان ويجعلهما صالحين مثل أبيهما، وأما المال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت