فهو رزق آخر يمكنهما من تغطية مصاريفهما دون الرجوع إلى مساعدة الآخرين، وتكون أيديهما عالية.
فالعلم والمال وجهان لعملة واحدة، فكلاهما رزق، ونعم المال الصالح للرجل الصالح، فالعلم بدون مال يكون ناقصًا، وكذلك مال بدون علم من شأنه أن يقود صاحبه إلى التبذير وسوء التصرف، وربما إلى المعاصي وإلى الكفر والعياذ بالله.
هنا أيضًا تجلت رحمة الله تعالى بهذين الغلامين، وحفظ لهما رزقهما كما حفظه من قبل لأصحاب السفينة وللأبوين المؤمنين الصالحين، فالرزق قد يكون مالًا حلالًا وقد يكون علمًا نافعًا وقد يكون ذرية صالحة، وفي كل الأحوال فهو محفوظ من قبل الله عز وجل ومضمون حينما يتوفر شرط الصلاح.
{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [82] ، فالعبد الصالح كان مأمورًا ومسيرًا من صاحب الخلق والأمر، ما كان له أن يعلم الغيب، ولا أن يفرق الأرزاق ويضمنها، ولا أن يمنع هذا ويعطي ذاك، فكل شيء بيد الله، وكل شيء بأمره وقضائه، وحكمته البالغة تبهر الخلق، ورحمته الواسعة وسعت كل شيء، {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
تلك بعض الوقفات التربوية والإيمانية أردت أن أسجلها، لنذكر بها أنفسنا القاصرة، لتعلم قدر ربها المتعال، وتعود إلى نهجه القويم، راضية وقانعة بما قسم الله لها في هذه الحياة الفانية، فلا تنزعج ولا تتذمر ولا تتحسر على ما يصيبها من بلاء، فليس وراءه سوى الخير والفرج، ولا يتبعه سوى النصر والتمكين، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا , إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، ولا يغلب عسر يسرين كما أخبر الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
{وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} .