زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا [74] ، وكلمة نكرًا أعظم من كلمة إمرًا في حادثة خرق السفينة.
فكان جواب المعلم هو تذكيره بشرط المتابعة {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} [75] ، لكن المسألة أكبر من أن تتذكر الشرط، المسألة أعظم وأكبر من هذا، لكنه اعترف بنسيانه وإخفاقه في الامتحان الثاني، وهاهو يضع شرطًا فرضه على نفسه لكي يحاول تغطية هذا الإخفاق والنسيان، لعله يشفع له عند العبد الصالح فيواصل معه المسير {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا} [76] .
ولكننا نقف ونسبق الأحداث لنعلم سبب هذه الجريمة والحكمة الكامنة وراءها، {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [80] . لقد سبق في علم الله الواسع أن هذا الغلام - لو عاش - فلسوف يملأ حياة أبويه طغيانًا وكفرًا، وسيكون عاقًا لهما ومصدر إزعاج دائم. فكان أمر الله تعالى للعبد الصالح أن يقتله ليريحهما ويستريح هو الآخر، فكان في هذا الأمر خير للأبوين الصالحين المؤمنين وللغلام نفسه، فسبحان الله الخلاق العليم الرحيم.
من هنا تتجلى حكمة الله الواسعة في الكثير من الأحداث، نعيشها أو نراها أمام أعيننا في الواقع المعيش، وعليه ينبغي أن نستسلم لقدر الله وحكمه في كل الأمور، وخاصة ما يتعلق بالمصائب التي تصيبنا.
إن أمر المؤمن كله خير، فإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، فالله سبحانه لا يفعل إلا خيرًا وإن كان ظاهر هذا الأمر شرًا أو مضرة في أعيننا القاصرة. فهؤلاء الأطفال الذين نراهم في المقابر وقد وارت أجسادهم التراب ورحلوا عن هذه الدنيا وهم بعد في أعمار الزهور، قد نتساءل عن الحكمة وراء هذا الغياب المبكر، ونجد في هذه القصة جوابًا على هذا التساؤل وإزالة لهذا اللبس.