الأخرى، وعليه فإنه ينبغي احترام الآخر وعدم الادعاء بامتلاك جميع العلوم والاختصاصات، وعدم الخوض والإفتاء في غير الاختصاص الذي يحسنه العالم، وترك المجال لذوي الاختصاص حتى لا تتميع الأمور، وتعم الفتنة، ويسترخص العلم وتسقط قيمة العلماء.
وهنا اعترف موسى بعجزه وسقوطه في هذا الامتحان الأول {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} ، إنه النسيان وسط هول الموقف، وصدمة لم يكن ينتظرها أحد، في مقابل ذلك الموقف الطيب والنبيل لأصحاب السفينة.
ولكن حينما يعرف المرء السبب والدافع النبيل والرحيم للعبد الصالح، سيدرك الحكمة وسيندم على تفاعله وغضبته حتى وإن كانت من أجل نصرة الحق.
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}
إنه حفظ لرزق هؤلاء المساكين، سفينة لا يملكون غيرها من أجل العيش، فأرسل الله تعالى العبد الصالح ليخرقها، وليرفضها جنود الملك الظالم - بسبب عيبها - لتبقى بين أيديهم ويبقى الرزق مضمونًا ومحفوظًا من الله عز وجل.
ألا يحصل لنا هذا في كثير من المواقف في حياتنا؟ كم من مصيبة - صغيرة كانت أو كبيرة - نتعرض لها فنسارع إلى الضجر والتذمر والحزن والأسى، بل كم من أمر يخالف أهواءنا وعقولنا يمر أمامنا - علينا أو على غيرنا - لا نرى سوى جانبه السلبي الآني والظاهر، ولكن مع مرور الوقت تنجلي الحكمة والنتائج ونقف مشدوهين ومندهشين، وقد اعترانا الندم والخجل من الله ومن أنفسنا، فلا نملك بعد ذلك إلا التسبيح والتحميد لعالم الغيب والشهادة، الحكيم العليم.
علينا أن نتعلم من هذه القصة كيف نتمالك أنفسنا عند الصدمة الأولى، وكيف نتسلح بالصبر على المجهول والمخبوء فالحياة مليئة بالمفاجآت والغيبيات، وليست دائمًا