الصفحة 37 من 44

لا ينبغي السرعة في الحكم على شيء لم تظهر بوادره بعد، فكم من كلمة تخرج من أفواهنا في حالات التعجب والغضب، سرعان ما نندم عليها حينما تظهر لنا نتائج عكسية لظنوننا فالظاهر لا يعبر عن الحقيقة دائمًا، وإن عبر عنها فيكون بشكل ناقص وغير كامل، مما ينبغي أن يدفعنا للتريث والبحث عن الصورة كاملة، وذلك بقراءة ما وراء الخبر أو ما بين السطور، وعدم التسرع على إطلاق الأحكام تحت أي مبرر، فالتأخير في إدراك الحقيقة خير من التسرع في الخطأ.

فكانت المفاجأة بالنسبة لموسى عليه السلام، وكان الدرس الأول الذي يتلقاه في هذه الرحلة، كما كان السقوط الأول في سلسلة الامتحانات التي سيتعرض لها في هذه الرحلة العجيبة الغريبة {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} . فكان الجواب مباشرة ودون إبطاء {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} .

وهنا أدرك موسى أنه قد أخلف وعده ولم يف بالشرط، لقد كان الأمر أكثر مما يطيق، وهو دافع نبيل بلا شك، دافع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جُبل عليه موسى عليه السلام، والذي من أجله حمل الرسالة ولقي ما لقيه من عنت وتكذيب وعداوة ..

لكن المرء عند شرطه، وليس له مبرر لمخالفة ما اتفق عليه مع الطرف الآخر {قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف 69] .

شرط صعب التنفيذ، وهو ربما من حكمة الله تعالى البالغة، درس لموسى على أن علمه محدود، بسبب صبره المحدود، وبأن الناس متفاوتون في العلم بسبب تفاوتهم في الصبر، فالمرء يُعطى من الرزق والعلم على قدر صبره، فالعلم والرزق فتنة، لا يُؤتى منهما المرء إلا بقدر ما يستطيع الاستفادة والصبر على تحملهما وأداء حقهما.

كما أنه درس لنا جميعًا وللعلماء بوجه خاص، على أن العلم اختصاص، وبأن كل عالم له ملكاته التي يتفوق فيها على الآخرين، وله ميدانه الذي يحسنه دون الميادين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت