فما كان من موسى إلا أن يستجيب لأمر ربه، وينطلق للبحث عن العبد الصالح، من أجل تحصيل ما خفي عنه من علم والاستفادة من غيره.
من هنا ينبغي على العلماء وطلبة العلم أن يقتدوا بموسى عليه السلام في تعاملهم مع غيرهم بعدم ادعاء العلم المطلق والتواضع في طلب ما خفي عنهم من أوجه العلم المختلفة، ولن يستطيعوا إدراك ذلك ولو حرصوا، لأن العلم أوسع من أن يُدرك كله، ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، بل ينبغي الاجتهاد في التحصيل مع التواضع، واعتقاد أن ما عند الآخرين من علم ومعرفة يعتبر تكملة لما عندك ووجه آخر من أوجه العلم الواسع. فالله تعالى يفرق هذا العلم على عباده كل حسب طاقته ومدى تجاوبه وانتفاعه بهذا العلم وكذلك حسب مدى خشيته لله تعالى وتقواه {وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} . فالعلم متكامل، ولا يمكن لبشر أن يحيط بكل العلوم والمعارف، ومن ادعى هذا فهو جاهل ومنكر لحقيقة قرآنية ثابتة، وسنة ربانية جارية {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .
التضحية في طلب العلم
لقد تهيأ موسى عليه السلام وأخذ ما يلزمه من زاد ومتاع لرحلة طويلة وشاقة، وكان عليه أن يترك أهله وقومه ومكانته بين قومه - رسولًا ومعلمًا - لينطلق في هذه الرحلة المجهولة -تابعًا ومتعلمًا-، وهو أمر قاس على النفس. ولا شك {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [60] .
فخرج موسى مع فتاه في رحلة مجهولة الأمد ولكنها معلومة الوجهة (مجمع البحرين) ، هكذا هو طلب العلم يأخذ من الإنسان كل وقته ولا يعطيه إلا بعضه، فالعلم غير محدود ومتشعب الاختصاصات لا يكاد يحصل المرء على جزء منه حتى يكتشف أنه لم يدرك شيئًا وبأن عليه أن يطلب أكثر فأكثر، فكلما تعلم الإنسان أدرك انه يجهل