الصفحة 77 من 128

فلا يُرفعُ لهم ديوانٌ ولا يُنصَبُ لهم ميزانٌ، يُصَبُ عليهم الأجرُ صبًا، وقرأ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} " [1] ."

فلكلِّ هذه الأسبابِ مدحَ اللهُ تعالى الصابرين، وجزاهم ما لمْ يُجازِ عليه أحدًا من عباده،"إذ لمْ يقصد سبحانه وتعالى مطلقَ الخبر عندما تحدث عنه في البأساءِ، ولكنَّهُ أرادَ أن يُثني على هؤلاءِ الصابرين، فعندما تَمَّ هذا، قام بتحويل الكلامِ من الأسلوب الخبري العادي، إلى أسلوب المدحِ والثناء، فغَّيرَ في إعرابِ الكلامِ ليكونَ وقعه أكثرَ على عموم الصابرين في البأساء والضراءِ، حتى يحثهم على مزيدٍ من الصبرِ على مصائب الدهر" [2] .

وقال تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 162) ، فقد نصبَ {الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} بعد قوله: {الرَّاسِخُونَ} و {الْمُؤْمِنُونَ} .

لقد ذكر العلماءُ لهذه الآيةِ أوجهًا، منها:

أولا:

النصب على المدح، يقولُ الطبريُّ:"وقالَ آخرون وهو قول بعض نحوي الكوفة والبصرة: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} من صفة {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، ولكن لما كان الكلامُ تطاول، واعترض بين (الراسخين في العلم) و {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} ما اعترض من الكلام فطال؛ نصب المقيمين على وجه المدح" [3] .

ثانيًا:

إنَّ {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} ، مخفوضٌ بعطفه على (ما) في قوله تعالى: {بمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} ، أي يكون المعنى:"يؤمنون بما أُنزل إليكَ، وبالمقيمين الصلاة" [4] ، أو معطوفٌ على الضمير (هم) في (منهم) ، والمعنى:"لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين"

(1) المعجم الكبير، 3/ 92، والآيةُ من: (الزمر / 10)

(2) أثر التحويلات الأُسلوبية في تغيير الإعراب في الآيات القرآنية والشواهد الشعرية، يحيى القاسم، مجلة أبحاث اليرموك (سلسلة الآداب واللغويات) ، م / 11، ع /1، 1993، ص 18 - 19.

(3) جامع البيان، 6/ 25، وينظر: معاني القرآن، النحاس، 2/ 238، ومشكل إعراب القرآن، 1/ 212 - 213، ومعالم التنزيل، 1/ 499، وزاد المسير، 2/ 253، والإنصاف في مسائل الخلاف، 2/ 468.

(4) مشكل إعراب القرآن، 1/ 212، وينظر: زاد المسير، 2/ 252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت