المبحث الثالث
المطابقةُ بين المُؤَكِّدِ والمؤَكَّدِ:
يُقسِّمُ العلماءُ التوكيد على نوعين، لفظيٍّ ومعنويٍّ، فاللفظيُّ: يكونُ بتكرارِ لفظِ المتبوعِ، وذلك نحو قولنا: (جاءَ زيدٌ زيدٌ) ، وأمَّا التوكيدُ المعنوي: فهو الذي يُزيلُ احتمالَ إرادةِ غير الظاهرِ من اللفظِ، كقولنا: (جاءَ زيدٌ عينُهُ) ، فـ (عينه) أزال احتمال مجئِ عبدٍ لزيدٍ، أو كتابٍ له. [1]
ولكلِّ نوعٍ من نوعيِّ التوكيد كلامٌ خاصٌ به في أمرِ المطابقةِ، ونبدأ بالتوكيد المعنويِّ.
أولًا- المطابقة في التوكيد المعنوي:
ويكونُ بألفاظٍ مخصوصةٍ كـ (النفس والعين) و (كلا وكلتا) و (كل وجميع وعامة) . [2]
أ- (النفس والعين) :
ويُستعملان في التوكيد لإرادة"جملة الشئِ وحقيقته" [3] ، وهما يطابقان المؤَكَّدَ في إعرابه [4] ، فنقولُ: (جاءَ زيدٌ نفسُهُ أو عينُهُ) ، و (رأيتُ زيدًا نفسَهُ أو عينَهُ) و (مررتُ بزيدٍ نفسِهِ أو عينِهِ) .
وأمَّا المطابقةُ في العددِ والجنسِ فتكونُ بتغيير صيغةِ النفسِ أو العين، حسبَ المؤَكَّدِ، فيُفردان مع المفردِ، ويُجمعان مع المُثنى والجمع على وزن (أفْعَل) ، ويُعادُ على المؤكَّدِ ضميرٌ مع النفسِ أو العين، مطابقٌ للمؤَكَّدِ في الإفرادِ والتثنيةِ الجمعِ، وفي التذكيرِ والتأنيثِ، نقولُ:
(جاءَ زيدٌ نفسُهُ أو عينُهُ) ، و (جاءتْ هندٌ نفسُها أو عينُها) ، و (جاءَ الزيدان أنفُسُهما أو أعيُنُهما) ، و (جاءتِ الهندان أنفُسُهما أو أعيُنُهما) ، و (جاءَ الزيدون أنفُسُهُم أو أعينُهُم) ،
و (جاءتِ الهنداتُ أنفُسُهُنَّ أو أعيُنُهُنَّ) .
يقولُ الجاميُّ:" (فالأولان) أي النفس والعين، (يعمان) ، أي يقعان على الواحدِ والمثنى والمجموعِ، والمذكرِ والمؤنثِ، (باختلافِ صيغتهما) إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، (و) اختلافِ ضميرهما العائد إلى المتبوعِ المؤَكَّدِ، (تقولُ: نفسُهُ) في المذكر الواحدِ، (نفسُها) في المؤنثِ الواحدة، (أنفُسُهما) بإيراد صيغة الجمعِ في تثنية المذكر والمؤنث، وعن بعض العرب:"
نفساهما وعيناهما، (أنفسهم) في جمع المذكر العاقل، (أنفسهن) في جمع المؤنث وغير العاقل من المذكر" [5] ."
أمَّا المطابقةُ في التعريف والتنكير، فلا يؤكد بالتوكيد المعنوي إلا المعارف على الصحيح؛ لأن ألفاظ التوكيد المعنوي معارفٌ، يقولُ سيبويه عند حديثه عن الوصف بالضمائر:"واعلمْ أنَّ هذه الحروفَ لا تكونُ وصفًا للمظهر؛ كراهيةَ أن يصفوا المُظهَرَ بالمُضمر، كما كرهوا أن يكونَ أجمعون ونفسه معطوفًا على النكرة في قولهم: (مررتُ برجلٍ نفسِهِ) و (مررتُ بقومٍ أجمعين) " [6] .
ويعللُ ابنُ يعيشٍ عدمَ الجوازِ هذا بقوله:"وإنما لم تُؤكدِ النكراتِ بالتوكيدِ المعنوي؛ لأنَّ النكرةَ لم يَثبُتْ لها حقيقة، والتأكيدُ المعنوي، إنما هو لتمكين معنى الاسم وتقرير حقيقته، وتمكينُ ما لم يثبتْ في النفسِ محالٌ" [7] ، وهذا رأي جمهور البصريين.
أمَّا الكوفيّون والأخفش، فأجازوا توكيدَ النكرةِ توكيدًا معنويًا، شرطَ أن تكونَ هذه النكرةُ محدودةً، كـ (الشهر واليوم والليلة) وغيرها من الألفاظِ التي تدلُ على مدةٍ معلومةِ المقدار [8] ، يقول أبو حيانٍ"ولا يجوز عند البصريين أن تؤكدَ النكرةُ بشئٍ من ألفاظ التوكيد، وأجاز ذلك بعضُ الكوفيين مطلقًا، سواءٌ أكانتْ مؤقتةً، أم غيرَ مؤقتةٍ، واختاره ابنُ مالكٍ، فأجاز:"
(صُمتُ شهرًا كلَّهُ) ، و (هذا أسدٌ نفسُهُ) ، وجاء في الشعر توكيدها بما يقتضي الإحاطة" [9] ."
ولم يرد هذان اللفظان في التوكيد في النظم القرآني.
ب- (كلا وكلتا وكل وجميع وعامة) :
وهذه الألفاظُ ترفعُ"توهم عدم إرادة الشمول" [10] ، و"لا يُؤكدْ بهن إلا ما له أجزاء يصُحُ"
(1) ينظر: شرح المفصل، 3/ 39 - 40، وشرح شذور الذهب، 428 - 429، وشرح الرضي على الكافية، 2/ 363، وشرح الأشموني، 3/ 73، و 3/ 79 - 81، والفرائد الجديدة، 2/ 725،.
(2) ينظر: شرح المفصل، 3/ 40، وشرح الرضي على الكاقية، 2/ 363، وشرح ابن عقيل، 2/ 206 - 208، وشرح الأشموني / 3/ 73 - 75.
(3) حاشية الخضري، 2/ 131.
(4) أساليب التأكيد في اللغة العربية، 17 - 21.
(5) الفوائد الضيائية، 2/ 58 - 59، وينظر: شرح الأشموني، 3/ 73 - 74، وحاشية الخضري، 2/ 131، وأساليب التأكيد في اللغة العربية، 17 - 21.
(6) الكتاب، 2/ 386، ويقصد بالحروف، ضمائرَ الرفع المنفصلة: (أنا - أنت - نحن ... ) .
(7) شرح المفصل، 3/ 44، وينظر: المقرب، 263، وشرح الرضي على الكافية، 2/ 272، وشرح شذور الذهب، 429.
(8) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف، 2/ 451 - 456، وشرح المفصل، 3/ 44 - 45، وشرح ابن عقيل، 2/ 211، ... وشرح الأشموني، 3/ 77 - 78، والفرائد الجديدة، 2/ 725.
(9) إرتشاف الضرب، 2/ 612 - 613.
(10) شرح ابن عقيل، 2/ 207، وينظر: الفرائد الجديدة، 2/ 725.