الصفحة 76 من 128

ثالثها:

إنَّ (الصابرين) منصوبٌ على الاختصاص والمدح، وهو رأي الخليل رحمه الله، جاء في معالم التنزيل:"وقال الخليلُ: نصب على المدح، والعربُ تنصبُ الكلامَ على المدح والذمِّ، كأنهم يريدون إفرادَ الممدوح والمذموم، فلا يُتبعونه أوَّلَ الكلام وينصبونه" [1] ، ويقول الزمخشريُّ:"وأخرج (الصابرين) منصوبًا على الاختصاص والمدح؛ إظهارًا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال" [2] .

وهو الظاهرُ؛ لأنَّ المقامَ مقامَ مدحٍ، فالله تعالى يمدحُ في هذه الآيةِ المؤمنينَ بالله واليومِ الآخرِ الملائكةِ والكتابِ والنبيينَ، والذين ينفقون المالَ في كلِّ وجوه الخير، والذين يقيمون الصلاةََ ويؤتون الزكاةَ، والذين يوفون بعهودهم عند قطعها على أنفسهم، إلا أنَّ هناك صنفًا من الناس يفوق هؤلاءِ كلَّهم في الآجر والثواب، ألا وهم الصابرون، وليس أيَّ صبرٍ، فهناك صبرٌ

يُحتَملُ، وآخر لا تُطِيقُهُ الجبالُ، فالله تعالى حدد هذا الصبرَ بقوله: {فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} ، فالصبرُ في البأساء، الفقر [3] ، والفقيرُ يحتاجُ إلى الصبرِ في كلِّ أمورهِ، ويُصيبه من الألمِ النفسي والبدني ما لا يُصيبُ غيرَهُ، فهو إن جاعَ تألمَ جوفُهُ، وإن عَرِيَ تألم جَسَدُهُ، وإن رأى ما لا تَنَالُهُ يدُهُ، وهو راغبٌ له، تألمتْ نَفسُهُ.

وأمَّا الصبرُ في الضراء فهو المرض، والإنسانُ إذا اُصيب في أيِّ عضو من جسده، مهما صَغُرَ ذلك العضو، فإنَّ بدنَهُ كلَّهُ يألمُ.

وأمَّا الصبرُ الأخير، فهو حين البأس، أي الحرب عند قتال الأعداء، وهذا مشقةٌ ما بعده مشقةٌ، فالنفسُ والبدن يخافان في الحربِ، الجرحَ والأسرَ والقتلَ.

وهذه الأحوالُ - البأساء والضراء والبأس - تحتاجُ إلى صبرٍ شديدٍ وعزيمةٍ قويةٍ، واحتساب ما يُصيبُ الإنسانَ فيها من البلاءِ، للهِ عزَّ وجلَّ، فلهذا الصنفِ من الناسِ أجرٌ لا يُدانيه أجرُ أيِّ عبدٍ، يقولُ الأمام الحسنُ بنُ عليٍّ (عَلَيِّهِمَا السَّلَامُ) :"سمعتُ جدي رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: إنَّ في الجنةِشجرةً يُقالُ لها شجرةُ البلوى، يُؤتى بأهل البلاءِ يومَ القيامةِ،"

(1) معالم التنزيل، 1/ 144.

(2) الكشاف، 1/ 252، وينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف، 2/ 468 - 471، والجامع لأحكام القرآن، 2/ 239 - 240، وتفسير النسفي، 1/ 90، والبحر المحيط، 2/ 140، وفتح القدير، 1/ 173.

(3) ينظر: تفسير سفيان الثوري، 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت