الصفحة 66 من 128

وكذا الحال في الآية الأخرى من سورة الحاقة: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} ، فهي مناسبةٌ تمام المناسبةِ للفواصل في تلك السورة، كـ (الطاغية، عاتية، باقية، رابية، واعية ... ) .

يقول السيوطي:"أعجازُ: أصولُ نخلٍ، منقعرُ: منقطعٌ ساقطٌ على الأرض، وشبِّهوا بالنخل لطولهم، وذكَّرَ هنا وأنَّث في الحاقة {نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} ، مراعاةًَ للفواصل في الموضعين" [1] .

وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} (يونس: 22) .

فقد وصف المؤنث (ريح) بلفظٍ مذكر (عاصف) [2] ، والقول في هذه الآية من وجوه:

أولها:

إنَّ الريحَ تُؤنَّث وتذكَّرُ،"والعربُ تقول: عاصفٌ وعاصفةٌ" [3] ، فمن ذكَّرها فإلى اللفظ يقصد، ومن أنَّثها فإلى المعنى يقصد، يقول القرطبيُّ:"وقال أبو بكر الأنباري: سُئل المبردُ بحضرة إسماعيل القاضي عن ألفِ مسألةٍ، هذه من جملتها، فقيل له ما الفرق بين قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} و {جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} ، وقوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} و {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} ، فقال كلما ورد عليك من هذا الباب، فإن شئتَ رددته إلى اللفظ تذكيرًا، أو إلى المعنى تأنيثًا)" [4] .

ثانيها:

(1) تفسير الجلالين، 1/ 706، وينظر: روح المعاني، 27/ 87.

(2) 1 ورد لفظا (الريح -الرياح) في القرآن الكريم سبعًا وعشرين مرة، أربعة عشر موطنًا أُنِّثَ فيها هذا اللفظُ بتقدم فعلٍ مؤنثٍ عليه، أو عود ضمير مؤنَّثٍ إليه، وقد ذُكَّرَ في موطنين، وفي أحد عشر موطنًا لا يوجد فيها ما يشير إلى التذكير أو التأنيث، فمثال التذكير قوله تعالى (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) (الروم: 51) ، ومثال التأنيث قوله تعالى: (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ= = أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) (آل عمران: 117) ، أما مثال عدم ما يشير إلى التذكير أو التأنيث فنحو قوله تعالى: (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: 63) ، وغير ذلك من الآيات، ينظر: (الأعراف / 57) ، (الحج / 31) ، (سبأ / 12) .

(3) معاني القرآن، الفراء، 1/ 460، وينظر: جامع البيان، 11/ 100، ومعالم التنزيل، 2/ 349، وزاد المسير، 4/ 19، وروح المعاني، 11/ 97

(4) 3 الجامع لأحكام القرآن، 17/ 137، وينظر: البرهان في علوم القرآن، 3/ 367 - 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت