صاحبَها، فاللهُ تعالى يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 7 - 8) .
فمعنى العدالة يتحقق بنصبه تعالى للموازين، التي هي عين القسط والعدل، وهذا المعنى يكون بوصف الموازين بالمصدر، وهذا من قسطه وعدله جلَّ وعلا. [1]
وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان: 2) ، فقد وصف (النطفة) وهي مفرد بجمع (أمشاج) .
والقول في هذه الآية من وجهين:
الأول:
إنَّ لفظَ (أمشاج) لفظٌ مفردٌ غيرُ مجموع، يقول الزمخشري:" (نطفةٍ أمشاجٍ) كـ (برمة أعشار) ، و (دبر أكباش) ، وهي ألفاظٌ مفردةٌ غير جموع، ولذلك وقعت صفاتٍ للأفراد" [2] .
الثاني:
إنَّ المقصود بالنطفة هنا، ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ، وكلا الماءين يحوي صفات متعددة، وجاز وصفها - النطفة - بالجمع لهذا المعنى، يقول البيضاوي:"وجمع النطفة به، لأن المراد مجموع منيِّ الرجل والمرأة، وكلٌّ منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص" [3] ، وجاء في روح المعاني:"والحاصل أنه نَزَّلَ الموصوفَ منزلةَ الجمعِ، ووُصِفَ بصفة أجزائهِ" [4] .
وهو الذي نؤيده؛ ففي بداية السورة التي وردت فيها هذه الآية، كان الحديث حول بدء خلق الإنسان، فاللهُ تعالى يقولُ: {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا - إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الانسان: 1 - 2) ، فقد مرَّ على
(1) 5 ينظر: الكشاف، 2/ 330، وتفسير النسفي، 3/ 81، وأضواء البيان، 4/ 158.
(2) 1 الكشاف، 3/ 295، وينظر تفسير النسفي، 4/ 317، والبحر المحيط، 10/ 359، وفتح القدير، 5/ 345، وروح المعاني، 29/ 51، وأظنُّ أن عبارة (دبر أكباش) خطأ في متن الكشاف، والصحيح (بُردٌ أكياش) فقد ذكر أبو حيان قول الزمخشري بالصيغة التي أوردتها، حيث يقول:"وقال الزمخشري: نطفة أمشاج كـ (برمة أعشار) و (برد أكياش) وهي ألفاظ مفردة ..."البحر المحيط، 10/ 359، وجاء في روح المعاني:"وقيل هو مفرد جاء على أفعال، كأعشار و (أكياش) في قولهم أعشار أي متكسرة، و (بردُ أكيش) أي مغزول غزله مرتين أواختاره الزمخشري"روح المعاني، 29/ 51، وينظر اللسان، 6/ 344، مادة (كيش) ، وتاج العروس، 6/ 337، مادة (خلق) .
(3) 2 تفسير البيضاوي، 5/ 425، وينظر إرشاد العقل السليم، 9/ 70.
(4) 3 روح المعاني، 29/ 51.