الصفحة 58 من 128

الخائضُ الغمرَ والميمونُ طائرُهُ ... خليفةُ اللهِ يُستَسقَى بِهِ المَطَرُ." [1] "

وهذه الظاهرةُ تجوزُ إذا كان المنعوتُ معروفًا لدى السامع، وإن نعته لا يميزه عن غيرهِ، وإنما جيء به لمجرد المدح أو الذم، فإذا كان المنعوت مبهمًا لدى السامع من دون النعت، فلا بدَّ من اتباع النعت لمنعوته، فالنعتُ في مثل هذا معنوي لا لفظي، أي أنَّ الإسم الذي قُطع هو نعتُ في المعنى أمَّا من ناحية الإعراب فله حكم آخر [2] .

إنَّ غاية هذه الظاهرة تركيز ذهن المتلقي على النعت المقطوع، وإبراز المعنى الموجود في هذا النعت، وذلك لأهميةٍ محددةٍ توجد فيه استدعت هذا التركيز،"والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدحِ أو الذمِّ، فيرفعون إذا كان الاسمُ رفعًا وينصبون بعضَ المدح، فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدحٍ مجددٍ غير مُتْبَعٍ لأول الكلام" [3] ، ويقول السيوطيُّ:"قطعُ النعوتِ في مقامِ المدحِ والذمِّ أبلغُ من إجرائها، قال الفارسيُّ: إذا ذُكرتْ صفاتٌ في معرض المدحِ أو الذمِّ، فالأحسنُ أن يخالف في إعرابها، لأنَّ المقامَ يقتضي الإطنابَ، فإذا خُولِف في الإعراب كان المقصودُ أكملَ، لأن المعاني عند الاختلاف تتنوعُ وتتفنن، وعند الاتحاد تكون نوعًا واحدًا" [4] .

إنَّ ما ورد في القرآن الكريم من هذه الظاهرة، قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} (المسد: 1 - 4) بنصب (حمَّالة) ، يقول سيبويه:"وبلغنا أنَّ بعضَهم قرأ هذا الحرفَ نصبًا: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ، لم يجعلِ الحمالةَ خبرًا للمرأة، ولكنه كأنه قال: (أذكر حمالةَ الحطبِ شتمًا لها) " [5] ، وجاء في معاني القرآن:"وأما النصب فعلى جهتين، إحداهما: أن تجعلَ الحمالة قطعًا، لأنها نكرة، ألا ترى أنك تقولُ، (وامرأتُهُ الحمالةُ الحطبِ) ، فإذا ألقيتَ الألفَ واللامَ كانت نكرةً، ولم يستقمْ أن تنصب معرفةً بنكرةٍ، والوجه الآخر أن تشتمها بحملها الحطب فيكون نصبها ... على الذم" [6] .

(1) الكتاب، 2/ 62، وينظر: المصدر نفسه، 2/ 70، وشرح شذور الذهب، 434، وشرح ابن عقيل، 2/ 404، وشرح الأشموني، 3/ 68، والبيتان في شعر الأخطل من قصيدة له يمدح فيها عبد الملك بن مروان، وقبل البيت الثاني:

إلى امرئ لا تعرينا نوافله ... أضفره الله فليهنى له الظفرُ،

و (الخائض) في الديوان بالكسر، وفي البيت الأول (فهو) مكان (نفسي) ، ينظر: شعر الأخطل، 1/ 196 - 199.

(2) يُنظر: نتائج الفكر، 237.

(3) معاني القرآن، الفراء، 1/ 105، وقد نقل كلامَ الفراء هذا، السهيليُّ، ينظر: نتائج الفكر، 237.

(4) الإتقان، 2/ 188.

(5) الكتاب، 2/ 70، ويقصد ببعضهم، عاصمَ بنَ أبي النجود، ينظر: السبعة في القراءات، 1/ 700، والحجة في القراءات السبع، 1/ 377، وحجة القراءات، 1/ 777.

(6) معاني القرآن، الفراء، 3/ 298، وينظر: الجامع لأحكام القرآن، 30/ 338، والتبيان في إعراب القرآن، 2/ 296، والبحر المحيط، 10/ 567، وروح المعاني، 30/ 263 - 264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت