إن القرآن الكريم قد استعمل هذا التركيب، وذلك في عدد من الآيات، إلا أننا نجد أنَّ الجدل قد طال حولها، فبعضهم يحملها على هذه اللغة، وبعضهم يتأول لها وجوهًا لا وجهًا واحدًا، تصل هذه الوجوه في بعض الأحيان إلى أحدَ عشرَ وجهًا. [1]
قال تعالى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} (المائدة: 71) ، قال الفراءُ في هذه الآية:"فقد يكون رفعُ (كثيرٌ) من جهتين: أنَّ تُكِرَّ الفعلَ عليها، تُريد: عَمِي وصَمَّ كثيرٌ منهم، وإن شئتَ جعلتَ (عموا وصموا) فعلًا للكثير، كما قال الشاعرُ:"
يَلُومُونَنِي في اشتِرَائي النَخِيـ ... ـــلَ أهلِي فَكُلُّهُم ألْوَمُ
وهذا لمن قال: (قاَموا قومُكَ) ، وإن شئتَ جعلتَ الكثيرَ مصدرًا، فقلتَ أي ذلك كثيرٌ منهم، وهذا وجهٌ ثالثٌ، ولو نصبتَ على هذا المعنى، كان صوابًا" [2] ."
ويوافق الزمخشريُّ الفرَّاءَ، فـ (كثيرٌ) إما بدلٌ من الضمير، أو فاعلٌ على لغة (أكلوني البراغيثُ) ، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، والتقدير: أُولئكَ كثيرٌ منهم [3] ، أما النسفيُّ، فيرى البدليةَ، أو الخبرَ، دونَ لغةِ (أكلوني البراغيثُ) [4] ، وهو ما ذهبَ إليه أبو حيان، مضعفًا وجهًا رابعًا، وهو أن يكونَ (كثيرٌ) مبتدأً، والجملةَ قبله خبرًا له. [5]
أما قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (الانبياء: 3) ، فسيبويه يحمل الآيةَ على البدلية، حيثُ يقول:"وأما قوله جلَّ ثَناؤهُ: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، فإنما يجيء على البدل، وكأنه قال: انطلقوا، فَقِيلَ له: من؟، قال: بنو فُلان" [6] .
(1) ينظر: مغني اللبيب، 480، والمدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، 302 - 303.
(2) معاني القرآن، الفراء، 1/ 316، ويقصد بالوجه الأول من الرفع (أن تُكِرَّ ... ) البدليةَ، فـ (كثيرٌ) بدلٌ من الفاعل في (عموا وصموا) ، ينظر: المصدر نفسه، 1/ 316، هـ / 1، والبيت لاُحية بن الجلاح، ينظر: ديوانه، 71، وفيه (اشتراء) بدل (اشترائي) ، و (يعذل) بدل (ألوم) ، والشاهد فيه جمعه بين واو الجمع في (يلومونني) ، وبين الفاعل الظاهر (أهلي) ، ينظر: معاني القرآن، الفراء، 1/ 316، هـ /1، وشرح المفصل، 3/ 87، وفيه (يعذل) بدل (ألومُ) ، ونُسب في الهامش إلى أُمية بن أبي الصلت، وشرح ابن عقيل، 1/ 470، رقم /143، من دون نسبة، وشرح الأشموني، 2/ 47، رقم / 272، ولم ينسبه العيني في شرحه لشواهد الأشموني، وهمع الهوامع، 2/ 257، رقم /629.
(3) ينظر: الكشاف، 1/ 476.
(4) ينظر: تفسير النسفي، 1/ 294.
(5) ينظر: البحر المحيط، 4/ 328، وسبب التضعيف، لأن"الفعل قد وقع موقعه، فلا يُنوى به التأخير"، المصدر نفسه، 4/ 328.
(6) الكتاب، 2/ 41، وينظر: زاد المسير، 5/ 340، وتفسير الجلالين، 1/ 420.