ويرى الفراءُ أنَّ (الذين) مرفوعٌ على الاستئنافِ، أو نعتٌ للناس في قوله تعالى {: إقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم} (الانبياء: 1) ، وهي هاهنا مخفوضةٌ، أو إنَّ الآية على لغة (أكلوني البراغيثُ) . [1]
وزادَ صاحبُ مشكل إعراب القرآن الرفعَ على إضمار (يقول) ، أو النصبَ على تقدير (أعني) [2] ، ويذكر الزمخشريُّ البدليةََ، أو لغةَ أكلوني البراغيثُ، أو النصبَ على الذم، أو مبتدأ خبره ما قبله قُدِمَ عليه [3] ، وهناكَ وجوهٌ إعرابيةٌ أُخرى غير التي ذكرنا. [4]
وقد ورد في القراءات القرآنية ما يجري على هذه اللغة، من ذلك قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا} (الاسراء: 23) ، فقد قرأ حمزةُ والكسائيُّ (يبلغان) ، بالألف على التثنية، وبنون مشددة [5] ، وقد نَسَبَ أبو حيان هذه القراءةَ بقوله:"وهي قراءة السلمي وابنِ وثابٍ وطلحةَ والأعمشِ والجحدريِّ" [6] ، ويرى أنَّ (أحدهما) فاعل، والألفُ علامةُ تثنيةٍ على لغة (أكلوني البراغيثُ) ، أو أنَّ (أحدهما) ، بدلٌ من الضمير في (يبلغان) . [7]
وفي قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (المؤمنون: 1) ، يقول أبو حيان:"قال عيس بن عمرَ: سمعتُ طلحةَ بنَ مصرف، يقرأ: (قد أفلحوا المؤمنون) ، فقلتُ له أتلحنُ؟ قال: نعم، كما لحن أصحابي. انتهى، يعني أنَّ مرجوعَهُ في القراءة إلى ما رُوي وليس بلحنٍ؛ لأنه على لغة (أكلوني البراغيثُ) " [8] .
نستطيعُ القولَ: إنَّ هذه اللغةَ لغة صحيحة، جاءَ عليها القرآنُ الكريمُ في بعض المواضع، وكذلك وردت هذه اللغةُ في القراءات القرآنية، فلا داعي، لتأولها وحملها على وجوهٍ كثيرةٍ، وواضحٌ أنَّ هذا التأولُ والحملَ كان الغايةُ منه إخراجَ هذه اللغةِ من القرآنِ الكريمِ، لا سيما إنَّ هذه اللغة تأتي في إطار المحافظة على المطابقة بين الفعل والفاعل في العدد - مذكره ومؤنثه -"فظاهرةُ التطابقُ عمليةٌ تكادُ تكون عمليةً لا شعوريةً فطريةً ساذجةً، تتم في إطار المنطق والحس اللغويين، أما ظاهرة عدم التطابق، فهي عمليةٌ تبدو فيها الصنعةُ، ويظهر فيها عملُ العقلِ" [9] .
(1) ينظر: معاني القرآن، الفراء، 1/ 316 - 317.
(2) ينظر: مشكل إعراب القرآن، 2/ 477.
(3) ينظر: الكشاف، 2/ 320 - 321.
(4) ينظر: البحر المحيط، 7/ 408، ومغني اللبيب، 479 - 480.
(5) ينظر: معاني القرآن، الفراء، 2/ 120، والسبعة في القراءات، 1/ 379، وحجة القراءات، 1/ 399.
(6) البحر المحيط، 7/ 35.
(7) ينظر: المصدر نفسه، 7/ 35.
(8) البحر المحيط، 7/ 546، وينظر: روح المعاني، 18/ 213.
(9) دراسات في اللغة والنحو العربي، حسن عون، 54.