إنَّ السياقَ القرآني لا يتحددُ في آياتٍ متقاربةٍ في سورةٍ معينةٍ، بل يمتدُ فضاؤُهُ على امتدادِ القرآنِ الكريمِ في سورهِ كلِّها، كما رأينا في النقطةِ الأُولى.
مما تقدمَ يتضحُ لنا تمامَ الاتضاحِ أنَّ تذكيرَ الفعلِ مع الفاعلِ المؤنثِ في بعضِ مواضع القرآن الكريم، أمرٌ راجعٌ إلى المعنى والسياق، ولا ننسى أنَّ مواطنَ إلحاقِ العلامةِ بالفعلِ مع الفاعلِ المؤنثِ تصلُ إلى ضعفيِّ مواطنِ تركها. [1]
ثانيًا - المطابقة في العدد:
إنَّ ظاهرةَ المطابقة بين الفعل وفاعله في العدد شغلت النحويين، وأخذت حظًا وافرًا من كتبهم، فهم يعدون المطابقة بين الفعل وفاعله، تثنيةً وجمعًا، ليس كلام عامة العرب، بل هو كلام طائفة مخصوصة منهم، وهم طيء، وقيل هم أزد شنوءة، وقيل بنو الحارث بن كعب. [2]
فنقول: (قامَ زيدٌ) و (قامَ الزيدان أو الهندان) و (قامَ الزيدون) و (قامَ الهنداتُ) ، ولا نقول: (قاما الزيدان) و (قامتا الهندان) و (قاموا الزيدون) و (قُمْنَ الهنداتُ) ، إلا على هذه اللغة، وقد سمَّاها النحاةُ: (لغة أكلوني البراغيثُ) ، وقد سمَّاها ابنُ مالك: (لغة يتعاقبون فيكم ملائكةٌ) . [3]
جاءَ في الكتاب:"واعلمْ أنَّ من العرب من يقول: (ضربوني قومُكَ) و (ضرباني أخواكَ) ، فشبهوا هذا بالتاءِ التي يُظهرونها في (قالتْ فلانةُ) ، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامةً كما جعلوا للمؤنثِ" [4] .
ويقول ابنُ يعيش:"وإذا قُلتَ: (قاما الزيدان) ، فالألفُ حرفٌ مؤذنٌ بأنَّ الفعلَ لاثنين، وكذلك إذا قُلتَ: (قاموا) ، فالواو حرفٌ مؤذنٌ بأن الفعلَ لجماعةٍ" [5] .
وقد ترددت هذه اللغة في كتب النحاة بين آخذٍ بها، وبين رادٍ لها، فسيبويه ينعتها بالقليلة، ويتأول قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (الأنبياء: 3) على البدلية. [6]
وقد جوَّزَ الفراءُ هذه اللغة [7] ، ووافقه الزمخشريُّ على ذلك [8] ، ويقول ابنُ يعيش:"وهي لغةٌ فاشيةٌ لبعض العرب، كثيرةٌ في كلامهم وأشعارهم" [9] .
(1) ينظر: دراسات لأُسلوب القرآن الكريم، 8/ 449.
(2) ينظر: الكتاب، 1/ 20، وشرح المفصل، 3/ 87، وشرح الرضي عل الكافية، 1/ 225، وشرح ابن عقيل، 1/ 473، وشرح الأشموني، 2/ 47، وهمع الهوامع، 2/ 256، والمدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، 299.
(3) ينظر: شرح ابن عقيل، 1/ 473، وتسمية ابن مالك هذه، جملة من حديث نبوي شريف لنا معه وقفة بعد قليل.
(4) الكتاب، 2/ 40.
(5) شرح المفصل، 3/ 87، وينظر: شرح شذور الذهب، 167 - 179، وشرح ابن عقيل، 1/ 468 - 472، وشرح الأشموني، 2/ 46 - 48، وهمع الهوامع، 2/ 256 - 257.
(6) ينظر: الكتاب، 2/ 40.
(7) ينظر: معاني القرآن، الفراء، 1/ 317.
(8) ينظر: الكشاف، 2/ 320.
(9) شرح المفصل، 3/ 87.