ويقولُ أبو حيان:"و (البينة) هنا الموعظة" [1] ، وواضحٌ أنَّ المقامَ لا يحتملُ إلا التأنيثَ.
وننتقل إلى قوله تعالى: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} (هود: 67) وقوله تعالى: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} (هود: 94) ، فالآيةُ الأولى في قصة نبي الله صالح - عليه السلام -، يقول تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ - وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (هود: 66و67) .
وأما الآيةُ الثانية ففي قصة نبي الله شعيب - عليه السلام -، يقول تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (هود: 94) ، فقد ذكَّر في الآية الأُولى، وأنثَ في الآية الثانية، ويقول المفسرون إنَّ هذا من باب الحمل على المعنى، فعندما يُذكِّر، يحمل (الصيحة) على (الصياح) ، وعندما يؤنث، يأخذ اللفظَ على ظاهره، وهو التأنيثُ، جاء في مشكل إعراب القرآن:"وقيل إنما حُذفتِ التاءُ؛ لأنه حمل على معنى (الصياح) ، إذ الصيحةُ والصياحُ بمعنىً واحدٍ، وكذلك العِلَّةُ في كلِّ ما شابهَهُ" [2] . ولو دققنا النظرَ في سياق الآيتين لوجدنا:
أولًا:
في قصة نبي الله صالح - عليه السلام -، تكون (الصيحة) بمعنى (العذاب) و (الخزي) ، وهو معنىً مذكرٌ، يُناسب تركَ العلامةِ من الفعلِ، والدليلُ قوله تعالى قبل هذه الآية:
{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} (هود: 66) ، والموافقةُ واضحةٌ. [3]
(1) البحر المحيط، 5/ 104.
(2) مشكل إعراب القرآن، 1/ 368، وينظر: زاد السير، 5/ 147، وحجة القراءات، 1/ 373، والجامع لأحكام القرآن، 9/ 92 و 17/ 57.
(3) ينظر: نتائج الفكر، 170.