الصفحة 47 من 128

ويقول الشوكاني:" {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: كتابٌ أنزله اللهُ على نبيكم، وهو منكم يا معشرَ العربِ" [1] ، ولذلك لا يُناسبُ هنا إلا التذكير.

أما آيتا الأعرافِ، فالأُولى منهما في قصة نبي الله صالح - عليه السلام - صاحبِ الناقة، ولننظر إلى الآية نفسها، فاللهُ تعالى يقولُ: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الأعراف: 73) ، فنحنُ نجدُ أنَّ الحديثَ فيها عن الناقة، وهي معجزتُهُ - عليه السلام -، ولوجدنا أيضًا أنَّ تفسيرَ (البينة) يعني (الناقة) ، بدليل: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} ، ويقولُ الزمخشري:" {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} ، أي آية ظاهرة وشاهدٌ على صحة نبوتي، وكأنه قِيلَ: ما هذه البينة؟ فقال: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} " [2] .

فالمقامُ يتطلب التأنيثَ؛ كون (البينة) ، ناقةَ صالح، وهي حجته على قومه بصحة نبوته.

وأما الآية الثانية، ففي قصة نبي الله شعيب - عليه السلام -، يقول تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (الأعراف: 85) ، و (البينة) هنا (المعجزة) أو (الموعظة) ، يقولُ الزمخشري:" {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ، معجزةٌ شاهدةٌ بصحة نبوتي أوجبتْ عليكم الإيمانَ بي، والأخذَ بما آمركم به والانتهاءَ عمَّا أنهاكم عنه، فآمنوا ولا تبخسوا" [3] .

(1) فتح القدير، 2/ 219، وينظر: معاني النحو، 2/ 486.

(2) الكشاف، 1/ 55، وينظر: تفسير النسفي، 2/ 61، والبحر المحيط، 5/ 91 - 92.

(3) الكشاف، 1/ 559، وينظر: تفسير النسفي، 2/ 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت