فـ (الموعظة) بمعنى (الذكرى) ، يقول القرطبيُّ:"يقول تعالى ذكره لخلقه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ، يعني: ذكرى تذكركم عقابَ الله، وتخوفكم وعيدَهُ" [1] .
أو بمعنى (التزكية) ، يقول الألوسي:" {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: تزكيةٌ لنفوسكم بالوعد والوعيد، والزجر عن الذنوب المتسببة للعقاب، والتحريض على الطاعة الموجبة بفضل الله تعالى للثواب" [2] .
فنحنُ نلاحظُ أنَّ التذكيرَ مناسبٌ لآيةِ سورةِ البقرةِ، وأما التأنيثُ، فهو مناسبٌ لآيةِ سورةِ يونسَ.
وقولَه تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (الأنعام: 157) ، وقولَه تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (الأعراف: 73و85) ، ولمعرفةِ سببِ الاختلافِ، لا بد لنا من الرجوع إلى سياقِ هذه الآياتِ.
يقول تعالى قبل آية الأنعام: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ - أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} (الأنعام: 154 - 157)
فنحنُ نجدُ أنَّ مدارَ الحديث حول الكتب السماوية: (ثم أتينا موسى الكتاب) ، (وهذا كتابُ أنزلناه) ، (إنما أُنزل الكتابُ) ، (لو أنا أُنزل علينا الكتابُ) ، ثم يقول تعالى: (فقد جاءكم بينةٌ) ، والمقصود بـ (البينة) هنا (القرآن) ، مناسبة للسياق العام الذي يتحدثُ عن الكتب السماوية، يقول أبو حيان:"والظاهر أنَّ (البينة) هي (القرآن) ، وهو الحجةُ الواضحةُ الدالةُ النيرةُ، حيثُ نَزَلَ عليهم بلسانهم، وألزم العالمَ أحكامَهُ وشريعَتَهُ" [3] .
(1) الجامع لأحكام القرآن، 11/ 124.
(2) روح المعاني / 11/ 176.
(3) البحر المحيط، 4/ 697.