، يُبيحُ تركَ علامةِ التأنيثِ"وكلما طال الكلامُ فهو أحسن، نحو قولكَ: (حَضَرَ القاضيَ امرأةٌ) ، لأنَّه إذا طال الكلامُ كان الحذفُ أجمل ..." [1] .
لكننا نجد في قوله تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} (البقرة: 275) ، وقوله تعالى: ... {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (يونس: 57) ، أنَّ الفاصلَ في الآية الأُولى: (الهاء) أقلَّ
من الفاصل في الآية الثانية: (كم) ، ومع ذلك، أنثَ مع الفاصل الأكبر، وذكَّرَ مع الفاصل الأصغر، والفعلُ والفاعلُ واحدٌ في الحالتين!!. [2]
وفي مواطنَ أخرى نجدُ أنَّ الفعلَ والفاعل والفاصلَ واحدٌ، فَيُذكِّرهُ في موطن، ويؤنثهُ في آخر، يقول تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (الأنعام: 157) ، ويقول تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (الأعراف: 73و85) ، فالفعلُ واحدٌ (جاءَ) ، والفاعلُ واحدٌ (بينة) ، والفاصلُ واحدٌ (كم) ، فمرةً ذكَّر، ومرةً أنثَ.
وقال تعالى: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} (هود: 67) وقال تعالى: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} (هود: 94) ، فالفعلُ واحدٌ (أخذَ) ، والفاعلُ واحدٌ (الصيحة) ، والفاصلُ واحدٌ (الذين ظلموا) ، فمرةً ذكَّر، ومرةً أنَّثَ، ولو تتبعنا مثلَ هذه المواطنِ لطال المقامُ بنا، إلا أننا نقول: إنَّ إلحاق علامة التأنيث بفعل الفاعل المؤنث، أمرٌ يحكمه المعنى والسياقُ والمقامُ. [3]
إنَّ الحملَ على المعنى"مدارُ كثيرٍ من أحوال التذكير والتأنيث في القرآن الكريم، وقد يكون لغرضٍ آخر، كتنزيل المذكرِ منزلةَ المؤنثِ، وبالعكس، أو لغير ذلك من الأغراض" [4] .
ولنأخذ على سبيل المثال قولَه تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} (البقرة: 275) ، وقولَه سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (يونس: 57) .
(1) الكتاب، 2/ 38، وينظر: المقتضب، 2/ 148 و 2/ 338، والتكملة، 294، وشرح المفصل، 2/ 92.
(2) ينظر: معاني النحو، 2/ 482.
(3) ينظر: حاشية الصبان، 2/ 52.
(4) معاني النحو، 2/ 483.