الصفحة 43 من 128

يقول الرضي:"وأما اسم الجمع بعضه واجب التأنيث كالإبل والغنم والخيل، فحاله كحال جمع التكسير في الظاهر والضمير، وبعضه يجوز تذكيره وتأنيثه، كالركب، قال:"

فَعَبَّتْ غِشَاشًَا ثُمَّ مَرَّتْ كأنهَا ... مَعَ الصُبحِ رَكبٌ من أُحَاظَةَ مُجفِلُ

فهو كاسم الجنس، نحو (مضى الركبُ) و (مضتِ الركبُ) ، و (الركبُ مضى ومضتْ ومضوا) " [1] ."

وورد هذا الفاعلُ في القرآن الكريم مرةً بتذكير فعله، وأخرى بتأنيثه، ومواطنهما متقاربة العدد، فمثالُ تأنيث الفعل قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى} (البقرة: 120) ، وقوله تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} (آل عمران: 69) ، وغير ذلك. [2]

أما مواطنُ التذكير، فنحو قوله تعالى: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} (البقرة: 100) ، وقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب} (البقرة: 109) ، وغير ذلك. [3]

إنَّ أقوالَ النحاة حول إلحاق علامة التأنيث بالفعل مع الجموع، تتوافق في جموع محددة، وتختلف في جموع أخرى، فكما مرَّ بنا، نجد الكوفيين يُجيزون إلحاق العلامة وتركها مطلقًا بفعل كلِّ الجموع، حتى المذكر السالم منها، وقد وافقهم أبو عليٍّ الفارسيِّ، إلا على جمعِ المذكرِ السالمِ، فإنَّهُ أوجب فيه التذكيرَ، وأما البصريون، فيُجيزون الوجهين في جمع التكسير واسم الجمع، ويُوجبون التذكيرَ في جمع المذكر السالم، والتأنيثَ في جمع المؤنث السالم. [4]

إنَّ الآياتِ التي ورد فيها الفاعلُ مؤنثًا سواءٌ أكان حقيقيًا أم مجازيًا، وسواءٌ أكان ظاهرًا أم مضمرًا، وسواءٌ أكان مفردًا أم مثنىً أم جمعًا، في حالة اتصاله بفعله أو انفصاله، نجدُ أنَّ فعله قد ألحقت به علامةُ التأنيث في أغلب المواطن، والتي تصلُ إلى ضعفي مواطن ترك العلامة، بعبارةٍ اُخرى، إنَّ القرآن الكريم حافظ على المطابقة بين الفعل وفاعله المؤنث، بإلحاق علامة التأنيث بالفعل بنسبة أكبر من ترك هذه المطابقة.

إلا أنَّه لا يجدرُ بنا تجاهل الآياتِ التي ورد فيها تركُ العلامة، ولو دققنا النظر في تعليل النحاة لبعض مواطن التذكير، فإننا لا نجدُ فيها قوةَ الحجةِ، بل إنَّ هناكَ بعض الآيات تنقض ما ذهبوا إليه في مثل تلك التعليلاتِ، من ذلك مثلًا قولُ النحاة: إنَّ الفصل بين الفعل وفاعله المؤنث

(1) شرح الرضي على الكافية، 3/ 345، وينظر: الفرائد الجديدة، 2/ 811، والبيت للشنفرى الأزدي من قصيدته المسماة بلامية العرب، في وصف سرب من القطا بعد أن شَرِبَ، والعب: الجرع، وغشاشًا: أي على عجل، أو شربت قليلًا، وأُحاظة: موضع، أو اسم قبيلة من اليمن أو الأزد، ومجفل: مسرع، ينظر، ديوانه، 65، وشرح الرضي على الكافية، 3/ 345، هـ 1.

(2) ينظر: (الأعراف / 38) ، (الأنفال / 19) ، (يوسف / 94) .

(3) ينظر: (النساء / 153) ، (الأعراف / 160) ، (يونس / 24) ، (الحجرات / 11) .

(4) ينظر: شرح شذور الذهب، 171، هـ 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت