ومن اللافت للنظر والمثير للعجب أنّ استثمار نظرية النظم، والاسترشاد بها في باب فقه بلاغة القرآن الكريم في أصغر صوره التركيبية إلى أعظمها:"السياق القرآني كله"قد بلغ ذروته وشرفه في القرن التاسع الهجري في عصر المماليك، ذلك العصر الموسوم بعصر الانحطاط في الإبداع الأدبي، وبعصر الموسوعات، والتراكم المعرفي، والتناسخ الثقافي، والعقم الفكري، والافتتان بالزخرف، وغير ذلك مما تموج به كتابات النقاد المحدثين من وسم هذا العصر بميسم التخلف. من العجيب أن نقاد الأدب لم ينتفعوا بمنهاج أقرانهم في عصرهم من علماء البيان القرآني على نحو ما نراه عند برهان الدين البقاعي (ت 855هـ) مثلًا.
كان حريًا بالنقد الأدبي حينذاك أن يتجاوب مع حركة التدبر البياني للقرآن الكريم، حتى وإن كان الغالب على نتاج إبداع أدباء ذلك العصر ما ليس حميدًا، فإنّ من بين أيديهم نتاج عصور وقرون عديدة يمكن الممارسة التذوقية التحليلية الماجدة لشعره.
ماذا لو أن ناقدًا استهدى بنظرية التناسب القرآني التي هي قائمة على أساس نظرية النظم الجرجانية، وعالج تحليل قصائده من العصور الخوالي على هديها؟ لو ذلك كان لكانت الحركة النقدية في ذلك العصر، إن لم تتسام على ما يتشادق به نقدة عصرنا هذا بما استجدوه من فتات موائد الأعاجم، لما كان من دونه منزلة على الأقل.
وإذا ما نظرت في واقع النقد الأدبي في عصرنا هذا ـ متجاهلًا تلك المذاهب الأعجمية التي نبش نقادنا قبورها فأخرجوها لنقتات منها ـ فإنك ترى شيئًا من عناية الناقدين المستمسكين بعربيتهم لسانا وفكرًا وتذوقًا بالاسترشاد والاهتداء بنظرية النظم الجرجانية في قراءة النص الأدبي قراءة تذوقية تحليلية.
ترى ذلك مثلًا في صنيع أبي فهر محمود شاكر لقصيدة"ابن أخت تأبط شرًا":
إنّ بالشعب الذي دون سلع لقتيلًا دمه ما يُطلُّ