وجملة الأمر أن الإمام يقرر أهمية النظم في بلاغة الخطاب ويجملها في قوله: (( فلست بواجد شيئًا يرجع صوابه إن كان صوابًا(1) ، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم يدخل هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلامًا قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه )) (2) .
إذا ما كان شأن النظم في تحقيق بلاغة الخطاب وأدبيته أنه لن تقوم إلا عليه من أنه عمودها وقطبها (3) ، فإن الذي هو محقَّق عند الإمام أن ذلك النظم ليس على درجة سواء في الكلام البليغ، فلا يكون تفاوت بين الأدباء في الوفاء بكامل حقه، بل شأنه شأن كل شيء، هو على درجات يفضل بعضها بعضًا، فذلك من سنة الله عز وجل في خلقه، والأمر كمثله في شأن النظم في بيان الخلق.
(1) ليس الصواب هنا صواب إعراب من حيث رفعُ فاعل ونصبُ مفعول؛ (( لأنا ـ كما يقول الإمام ـ لسنا في ذكر تقويم اللسان، والتحرّز من اللحن وزيغ الإعراب، فنعتدَّ بمثل هذا الصواب. وإنما نحن في أمور تدرك بالفِكَر اللطيفة، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم، فليس دَرَك صواب دركا فيما نحن فيه حتى يشرُف موضعه، ويصعبَ الوصول إليه. وكذلك لا يكون ترك خطأ تركًا حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لُطف نظر،ٍ وفضل رويّة، وقوة ذهن، وشدة تيقظ. وهذا باب ينبغي أن تراعيه وأن تُعنى به، حتى إذا وازنت بين كلام وكلام دَرَيْتَ كيف تصنع، فضممت إلى كل شكل شكله، وقابلته بما هو نظير له، وميزت ما الصنعة منه في لفظه، مما هي منه في نظمه ) ) (ص98 ف86) .
(2) الدلائل: ص 82، ف76.
(3) انظر: الدلائل: ص 80، ف74.