الصفحة 58 من 117

من النظم ما هو في الدرجة الدنيا من أن واضعه لم يحتج (( إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك، لا يبتغي أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين، وذلك إذا كان معناك معنى لا تحتاج أن تصنع فيه شيئًا غير أن تعطف لفظًا على مثله، كقول الجاحظ:"جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبًا، وبين الصدق سببًا، وحبّب إليك التثبت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة") ) (1) . (( فما كان من هذا وشبهه، لم يجب به فضل إذا وجب، إلا بمعناه أو بمتون ألفاظه، دون نظمه وتأليفه ) ) (2) .

وأنت إذا ما نظرت في كلام الجاحظ، لتقف على درجة ذلك النظم بنفسك، وقدر حكم الإمام عليه، ومناط ذلك الحكم الذي يعطي ظاهره تجريدًا لكلام الجاحظ من سمات البلاغة، ونظرت في نظم كل جملة على حيالها، فإن التبصر يؤدي بك ألا تقبل مقالة الإمام: أن ليس فيه نظم وتأليف، فإن نظم كل جملة على حيالها نظم غير نازل المنزلة، فاختيار المفردات ومواقعها وعلائق بعضها ببعض في بناء كل جملة على حيالها إنما هو عالٍ لا يستهان به انظر قوله:"وهل بينك وبين المعرفة نسبًا، وبين الصدق سببًا …"أترى في هذا ما يدل على دنو منزلته في باب النظم والبلاغة؟ (3)

(1) الدلائل: ص 96، ف85.

(2) الدلائل: ص 98، ف85.

(3) قارنه بمقاله في كلام الجاحظ في أسرار البلاغة: ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت