الصفحة 59 من 117

كلمات الجاحظ كل جملة على حيالها، غير ذالة المنزلة في باب النظم، فكيف قال عبد القاهر ما قال؟ وما وجه حكمه هذا؟. أما حكمه فقد سمعته، وأما وجه ذلك الحكم فإنه ذاهب فيه إلى أن هذا لا يعدو أن يكون ضمّ شيء إلى شيء، وأنه ليس فيه فكر وروية. ومناط تحقيق الفضل والمزية عنده ثلاثة أشياء:

أولها: أن يكون هنالك مصنع واعتمال واجتهاد وفكر ورويّة.

وثانيها: أن يكون هنالك تخير بين البدائل.

وثالثها: أن يكون قد استدركت بهذا الفكر وهذا الاختيار صوابًا ليس من بابة تقويم اللسان، والتحرز من اللحن وزيغ الإعراب، بل صواب فيما شأنه أن يدرك بالفِكَر اللطيفة، ويوصل إليها بثاقب الفهم.

وأنت إذا ما نظرت في كلام الجاحظ وجدت كل جملة على حيالها في نظمها، على درجة غير نازلة، ولكن إذا ما نظرت فيما بين هذه الجملة العالية النظم في نفسها، ألفيت أنه ليس هنالك مصنع ولا فكر ولا روية ولا اختيار ولا استدراك صواب لما لطف ودق فيما يتعلق بعلائق الجمل بعضها ببعض. تستطيع أن تقيم كل جملة في غير موقعها، تقديمًا وتأخيرًا، ولن يحدث في صورة المعنى الكلي شيء، فكانت علاقة الجمل مع بعضها ونظمها، أشبه بعلاقة حروف الكلمة في الجملة، لا تقوم على فكر وروية واختيار واستدراك صواب.

فالنظم الذي يتحدث عنه عبد القاهر ليس ميدانه ميدان النظم في نحو"زيد منطلق"و"ينطلق زيد"، النظم هنا متجاوز نظم الكلمات في بناء الجملة الواحدة، إلى نظم الجمل في بناء الفقرة، ذلك النظم الذي تكون فيه الجملة بمنزلة الكلمة. ذلك هو مناط الحكم على مثل كلام الجاحظ بأنه نظم نازل المنزلة، وتلك من الإمام فريدة دالة دلالة باهرة على أن النظم حين يكون في نطاق الجملة ينظر فيه إلى العلائق الروحية بين عناصر الجملة (الكلمات) ، وحين يكون في نطاق الفقرة ينظر فيه إلى العلائق بين الجمل، لا العلائق بين المفردات في الجملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت