الصفحة 3 من 117

إذا ما كان الإمام عبد القاهر مستفتحًا كتابه"دلائل الإعجاز"ببيان فضل العلم، ومنزلة علم البيان من هذا الفضل، وأنه على الرغم من رسوخ أصله وبسوق فرعه، لم يلق علم من الضيم ما لقي ذلك العلم، فإنه قد أبان أنّ في هذا العلم دقائق وأسرارًا طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائفَ مستقاها العقلُ، وخصائصَ معانٍ ينفرد بها قوم قد هُدوا إليها، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام.

وهو من بعد ذلك يبين فضل العلم بالشعر الذي هو ميدان التصوير، وفضل العلم بالنحو الذي هو أساس البناء، ثمَّ يدلف إلى بيان جوهر البلاغة، فيقرر أنه منذ خدم العلم نظر في كلام أهل العلم في معنى البلاغة والفصاحة، فوجد كلامهم ضربين:

الأول: نَهَجَ فيه أصحابه نهج الإيماء والرمز، فهو يدلك على المعنى دلالةَ إشارةٍ وإلاحة.

والآخر: نَهَجَ فيه أهله بيان الموطن دون دلالة على الشيء نفسه؛ حثًا على السعي إليه بنفسك: (( ولم أزل منذ خدمت العلم، أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات، وتفسير المراد بها، فأجد بعضَ ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء، وبعضَه كالتنبيه على مكانِ الخبيء ليطلب، وموضعِ الدفين ليبحث عنه، فيخرج، وكما يفتح لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه، وتوضع لك القاعدة لتبني عليها … ) ) (1) . فهم بين مشير يبعثك على إحالة التلميح تصريحًا، ودالٍ على مكان الشيء دون أن يبينه لك تصريحًا أو تلويحًا.

ثم بيّن أنه قد انتهى من النظر في إشارات من أشَار و أومأ وألاح، ومن النظر فيما دلَّ على المكان فبحث فيه، وانتهى من ذلك إلى أمر ذي شأن؛ انتهى إلى أنَّ المعول عليه في شأن معنى بلاغة الخطاب وفصاحته (أدبيّته) أنَّ ههنا: نظمًا وترتيبًا وتأليفًا وتركيبًا، وأن ههنا صياغة وتصويرًا ونسجًا وتحبيرًا. وانتهى إلى أن هذه الخصال الثمانية في شأن الكلام سبيلها في شأن الصناعات، إلا أنها في الصناعات حقيقة، وفي الكلام مجاز. فهي قائمة في الصناعات اليدوية على سبيل الحقيقة الفعلية، ولكنها في الكلام على سبيل المجاز، وبرغم من ذلك فإنّ معيار المفاضلة بين هذه السمات الثمانية في الكلام هو هو عيارها في الصناعات (2) .

وأنت إذا ما نظرت في هذه الثمانية ترى أنها بدأت بالنظم وانتهت بالتحبير، وأن الإمام قد نسقها على نحو لم يقع منه في أي موطن من كتابه"دلائل الإعجاز"ولا غيره، وأنت إذا نظرت في نسقها رأيت في توقيعها النغمي توازنًا؛ (نظم وترتيب) ، (تأليف وتركيب) ، (صياغة وتصوير) ، (نسج وتحبير) . وهذا النسق ترى فيه تصاعدًا يشير إلى منازل هذه السمات من بلاغة الخطاب، فمبدأ بلاغته: النظم، ومنتهاها: التحبير.

وهذه السمات الثمانية لبلاغة الكلام قسمان، كل قسم أربع سمات، وكل قسم ضربان:

القسم الأول: سمات البناء: النظم والترتيب، والتأليف والتركيب. فالأول والثاني يمثلان درجة الجوار بين عناصر الكلام البليغ: (علاقة ظاهرية) ، والثالث والرابع يمثلان درجة الحوار بين عناصر الكلام البليغ: (علاقة باطنية) القسم الثاني: سمات التصوير: الصياغة والتصوير، والنسج والتحبير. فالأول والثاني يمثلان درجة السبك (صناعة المعادن) والرسم، والثالث والرابع يمثلان درجة الحبك (صناعة النسيج) والنقش.

البناء مبدؤه:"نظم"، ومنتهاه:"تركيب". والتصوير مبدؤه:"صياغة"، ومنتهاه:"تحبير". فالتناسق التصاعدي ظاهر للعيان في جمع وتنفيذ هذه السمات على هذا النحو في ذلك الموضع الفريد، الذي لم يتكرر مثله في أي موطن من كتبه. وهذه السمات الثمانية جامعة لما يعرف بتمام بلاغة الخطاب، ولما به عمود بلاغته، كما سيأتي.

وهو إذْ يشير إلى أنَّ هذا قائم في مقالة العلماء في بيان معنى البلاغة وجوهرها، وكان حقه أن يكون كافيًا، فإنه يصرح بأنه قد وجده على خلاف ما حسب، فما يزال كثير في حاجة حوجاء عظيمة إلى تفصيل وتبيين.

(1) الدلائل: 34.

(2) انظر: الدلائل: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت