الصفحة 56 من 117

وغير ذلك كثير مما ذكر الإمام، إذ يقول: (( ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، في الكلام كله(كذا) ، وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له )) (1) . قوله:"في الكلام كله"فسيحة المدى، فإذا كان التعريف والتنكير مرهونًا بدائرة الكلمة، فإن التقديم والتأخير يبدأ بالكلمة، لكنه يشمل الفصل والمعقد من النص، ولو مُدّ الدرس النقدي لأسلوب التقديم والتأخير في النص الأدبي إلى مواقع معاقد الكلام تقديمًا وتأخيرًا لكان حميدًا، ولكان منبثقًا من قضية النظم أيضًا. ومثل هذا"الحذف"إن كان يبدأ بحذف حرف من حروف المباني كما نراه في حذف نون مضارع"كان"المجزوم، فهو حذف مما يرمى به إلى معنى هو عنصر في بناء المعنى الكلي للصورة، فإنه يمتد إلى النظر في حذف فصول ومعاقد في بناء النص. وهذا تراه واضحًا جدًا في أسلوب الحذف في البيان القرآني حيث تطوى أحداث كثيرة لو ذكرت لكانت معقدًا، ومن نحو ما تراه من حذف لأحداث جرت ما بين قول الشاعر:"ولما قضينا من منى كل حاجة.."وقوله:"أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"، فقد طوى الشاعر أحداثًا وقعت في أزمان ممتدة وأماكن متفاسحة، على المتلقي تصورها وأن تذهب نفسه في استحضارها وتخيلها كل مذهب، كما يقول أهل العلم في مثل هذا.

وقوله:"فيصيب بكل من ذلك مكانه"، الصواب هنا أن يصيب المتكلم بالنمط التصويري موضعه ويضعه في حقه، وذلك لا يتحقق له إلا إذا كان عليما بحال كل نمط تصويري: ما يدل عليه، وما يليق به من السياقات والمقامات والأغراض والمقاصد.

(1) الدلائل: ص82، ف75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت