فانطلاق زيد معنى يمكن للمتكلم إيراده في وجوه تصويرية عديدة، وجميعها سواء من حيث الصحة الإعرابية، ومن حيث الأخذ بالنمط التجريدي الموروث، الذي دعامته الإسناد في حيز الإثبات بين شيئين: مسند إليه ومسند. ومن ثمّ يقرر الإمام عبد القاهر أن المتكلم البليغ لا يقيم عبارته على أي نمط تجريدي بل ينظر في وجوه كل باب وفروقه، وهي وجوه تصويرية. وبلاغته في أن يعرف لكل من هذه الوجوه موضوعه ويجيء به في كلامه حيث ينبغي له.
فبلاغته ليست في إسناد الانطلاق إلى زيد في سياق الإثبات على أي نحو من الأنحاء، بل بلاغته في أن يتوخى الوجه التركيبي المتاح لنمط ذلك الإسناد وفق ما يُرمى إليه، وما يقتضيه المقام الذي يبين فيه.
فحينًا تكون بلاغته في أن يقول:"زيد منطلق"، وحينًا يكون قوله هنا غير بليغ، بل البليغ أن يقول:"زيد ينطلق"، و"زيد هو المنطلق"… فلابد أن يعرف الفروق بين كلٍّ، ومدى ملاءمة كل وجه لما يرمي إليه وما يسوق كلامه على لاحبه …
والإمام عبد القاهر لا يقصر الوجوه والفروق على وجوه إثبات المعنى لشيء في دائرة الجملة، بل هو يجعلها شاملة أدق شيء من نحو حروف المعاني: (( ينظر في الحروف التي تشترك في المعنى ثم يتفرد لكل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى، فيضع كلًا من ذلك في خاص معناه … ) ) (1) . ويمتد بها إلى علائق الجمل وما يكون بينها من وصل وفصل، وهو باب يبدأ بعلاقات الجمل النحوية ليمتد إلى ما هو حاوٍ عشرات الجمل النحوية مما يعرف بالفقر والمعاقد والفصول، من نحو ما يعرف عند البلاغيين بعطف القصة على القصة.
(1) الدلائل: ص 82، ف75.