الصفحة 54 من 117

فالنظم توخي العلاقات الروحية بين معاني الكلمات، ومعاني الكلمات لا يراد بها المعاني الإفرادية الموضوعة إزاء الكلمة فحسب، بل معنى الكلمة في وجودها البياني (الكلام) من رافدين، الأول: المعنى المعجمي الوضعي، والآخر: الوظيفة التركيبية من حيث هي فاعل أو مفعول أو غير ذلك. قولنا:"زيد منطلق"مثلًا، المعنى النحوي فيه هو العلاقة التي بين معنى"زيد"من حيث هو علم على شخص متعين معلوم للسامع ومن حيث هو مراد الإخبار عنه من قبل المتكلم بالانطلاق وإسناده إليه، وبين معنى"منطلق"من حيث هو اسم على حدث متعين معلوم للسامع أيضًا مواضعة، ومن حيث هو مراد الإخبار به عن زيد ومسندًا إليه وتقريرًا لوقوعه منه.

تتنوع هذه العلاقات الروحية بين معنى"زيد"، ومعنى"منطلق"تنوعًا لا يكاد يحصر، ولكنه تنوع على أصول وقوانين كلية لا تخرج عنها أي وجه أو فرق تركيبي. ولذلك تجد عبد القاهر يذكر لهذه العلاقة بين"زيد"و"الانطلاق"ثمانية وجوه:"زيد منطلق"، و"زيد ينطلق"، و"ينطلق زيد"، و"منطلق زيد"، و"زيد المنطلق"، و"المنطلق زيد"، و"زيد هو المنطلق"، و"زيد هو منطلق". كل هذه الأنماط التركيبية (الوجوه والفروق) منبثقة من أصل قائم فيها جميعًا هو إثبات وقوع فعل هو الانطلاق من شخص متعين هو زيد. ويبقى لكل وجه ونمط تركيبي خصوصية في الدلالة على معنى زائد على ما هو قائم في جميع هذه الأنماط التركيبية.

هذا المعنى الزائد المتنوع بتنوع النمط التركيبي هو مناط المفاضلة، أما المعنى الأول الذي هو إثبات وقوع فعل، هو الانطلاق، من شخص متعين، هو زيد، فذلك لا تفاضل فيه بين أحد لأنه ثمرة نمط تركيبي موروث. والمتكلم يضع كلامه في صورة من هذه الصور الثمانية على وفق الأصل التركيبي المجرد الموروث (إسناد المسند إلى المسند إليه في سياق الإثبات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت