الإمام يدعو المتكلم إلى أن يعمل هو على قوانين علم النحو وأصوله، وقوانين كل شيء: مقاييسه، وكل مقياس مرهون بطبيعة وأحوال وغايات ما يقاس، مما يجعل المقايسة في نفسها ذات أنهاج متجاوبة مع ما يقاس وأحواله. والمقايسة في نفسها تقديرًا على مثال والأمثلة تتشابه ولا تتناسخ.
والعمل على أصول علم نحو بناء الكلام لا يعنى الإخلاد إليها، فإنّ لكل أصل فروعًا وأغصانًا وأفنانًا منبثقة منه، ولكنها ليست هي بل هي منها، فلعلم النحو أصول وفروع، والعمل بالأصول فريضة واستثمار الفروع قربة، ومن ثمَّ يتحقق للمتكلم الاقتدار على مواكبة مقتضيات المقامات والمسافات التي تحيط به وبمعانيه وأغراضه ومقاصده.
وعبد القاهر يبين في موطن آخر أن العمل على قوانين علم النحو وأصوله هو توخي معاني النحو فيما بين معاني الكلم (1) ، ومعاني النحو ليست هي علامات الإعراب رفعًا للفاعل ونصبًا للمفعول وجرًا للمضاف إليه، فذلك لا مجال فيه للمفاضلة بين أحد. فامرؤ القيس في هذا لا يفضل أبا العتاهية مثلًا.
معاني النحو هي العلاقات الروحية التي تقوم بين معاني الكلمات، على اختلاف صورها وامتداد سياقاتها، بدأ من ركني الجملة"المسند إليه والمسند"، وانتهاء بسياق الفقرة والمعقد والنص. وهذه العلاقات الروحية هي الوجوه التي يتصور بها المعنى، والضروب التأليفية بين معاني الكلمات بكل ما تحمله كلمة (تأليف) من دلالة على التعالق، وهذه العلاقات ذات أنماط تركيبية لا تتناهى، يطلق عليها عبد القاهر الوجوه والفروق النحوية.
(1) انظر: الدلائل: ص 361، ف429.