والمتكلم في هذه المواضعة حافظ الرسوم والحدود التي رسمت وحُدَّت، فلا يُخلُّ بشيء منها، ولا يزيغ عنها ولا يخرج، فإن في الإخلال بهذه قطع سبيل التواصل بينه وبين السامعين، مما يجعل كلامه عقيمًا لا يثمر. فالرسوم هي المعالم الدّالة على منهاج المتكلم في تركيب رموزه الدّالة على مكنون صدره، وعلى ضوء هذه المعالم يحلل السامع ذلك التركيب لينفذ من تفكيكها إلى ما هو مكنون من المعاني والمقاصد، فالمتكلم ذو منهج تركيبي والسامع ذو منهج تحليلي تفكيكي، وإذا لم يتواصلا في اتحاد النحو تركيبًا وتفكيكًا، فلن يكون فعل المتكلم إلا عقيمًا، ولن يجني السامع من فعله شيئًا. ومن ثمَّ كان لابد أن يكون هنالك نهج متفق عليه بين المتكلم مركِّبًا والسامع مفكِّكًا، فإذا لم يكن لم يك تواصل ألبتة. ولذا يبين الحق عزَّ وجل أنه ما أرسل رسولًا إلا بلسان قومه ليبين لهم: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} ، فانظر قوله"بلسان"وهي كلمة تحمل دلالة على خصوصية الأداء، فاللسان أخص من اللغة، ولذلك لما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس خاصًا بقريش لم يكن لسانه محصورًا في لسان قريش، بل كان يكلم كل قبيلة من قبائل العرب بلسانها. فآدم عليه السلام علمه الله تعالى الأسماء كلها: {وعلَّم آدم الأسماء كلها} ، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم علمه الله تعالى ألسنة العرب كلها، ولعل هذا داخل في قول الله تعالى: {وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا} .
الإمام عبد القاهر غير داع هنا المتكلم إلى الاستكانة إلى سلطان مواضعات نحو البناء اللغوي الموروث، فهذا السلطان هو أشبه بسلطان الشيطان على الإنسان: وهم يستكين إليه الطغام من الناس استهواءً واستخذالًا: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} .