وأنت لا تجد بيانا بشريًا أو غير بشري قد عولج بناؤه على هذا المنهاج التحليلي والتركيبي، كمثل ما أنت مبصره في صنيع علماء القرآن الكريم ببيانه الحكيم، وهم لا يعتمدون في ذلك على النظر الشكلي للبناء السوري وعلاقات السور ببعضها، بل تجاوز العناية بعلائق فواتح السور بخواتم ما قبلها، وإنْ كان ذلك في نفسه جد كريم، وذا لطائف إشارية ليس هنا مجال تجليتها ـ تجاوزوا ذلك إلى فقه العلائق الروحية بين المقاصد والأغراض والمعاني الكلية بين السور، بما يكشفون به عن وجهين:
الأول: التصريف البياني لتلك المقاصد والأغراض المنصوب لها الكلام.
والآخر: تصاعد المقاصد، والنمو الدَّاخلي للمعنى القرآني المكنونة جرثومته في سورة"أم الكتاب"، والمفصّل في سائر القرآن تفصيلًا تصاعديًا لا تراكميًا.
هذا الاستشراف النبيل الماجد لاستثمار نظرية النظم في فقه بلاغة البيان القرآني من علمائنا الأجاويد، لا نجد له عند الأقدمين من علماء البلاغة والنقد ما يضارع حركته وامتداده في دراسة النصّ الأدبي، شعرًا ونثرًا، فضلًا عن دراسة ديوان شعر شاعر. ولو أنّ عنايتهم بما اختاروا أن يكون من أهل العلم به من الإبداع الأدبي كانت على هدي وقدر عناية أقرانهم من علماء بيان القرآن الكريم ـ لو أنهم فعلوا وساروا بمنهاجهم على هدى خطا أقرانهم من علماء القرآن الكريم، لكانت ثمار النقد الأدبي عندنا أوفر عطاء وأسمى منزلة مما هي عليه الآن.