فهل كان خلو تراث الإمام من الممارسة التذوقية التحليلية لبناء نصّ كامل مرجعه قرب الأجل؟ لعل استفراغ الإمام عبد القاهر كثيرًا من جهده ووقته في التصدّي لمقالات المخالفين ونقدها ونقضها ذو أثر بليغ في افتقاره إلى ما يحقق للتحليل والتذوق الكلي للنص حقه. وهذا واحد من الآثار غير الحميدة لاشتغال الرواد والأئمة بنقض مقولات المخالفين، من قبل الوفاء التام بحق إقامة بناء التصور النظري للمذهب إقامة كاملة، ثم الوفاء التام بحق الممارسة التذوقية التحليلية لكافة مستويات البناء الأدبي للنص، بدءًا من أصغر عنصر من عناصره اللسانية والروحية، إلى أعلاها وأبسطها مدى: النص كله.
لو أن عبد القاهر تجاهل الاشتغال بنقد ونقض مقالات الآخرين، وانصرف إلى تشييد نظريته تصويرًا نظريًا، وتدبّرًا عمليًا في كافة مستويات النظم، فإن بقي من العمر والجهد شيء صرفه في النقد والنقض لمقالات المخالفين، فإن لم يبق فإن فيما أدّى حقه الكفاية والغنية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنْ يبصر من خلاله عوار مقالات المخالفين ومعاباتها.
المهم أنّ علماءنا الأماجد في غير باب نقد النص الأدبي، في باب فقه البيان القرآني كانوا أسرع إلى الأخذ بالتصور النظري لدى الإمام عبد القاهر، واستثماره في مجال عنايتهم ودراستهم، فاستثمرت نظرية نظم النصّ في كافة مستويات النظم والترتيب والتأليف والتركيب النصي في القرآن الكريم، ولم يقتصر تدبرهم وتحليلهم على بناء الجملة النحوية، بل تجاوز ذلك بناءَ الجملة البيانية ذات الجمل النحوية العديدة، إلى بناء المعاقد المشكل بناء النص/ السورة القرآنية، بل امتد ليشمل بناء السياق البياني للقرآن الكريم، القائم على أساس الإحكام ثم التفصيل في مستوياته العديدة، التي أعلاها أحكام بيان معاني الهدي القرآني في سورة أم الكتاب، وتفصيله في سائر سور القرآن الكريم كله، تفصيلًا تتناسل عناصره من رحم السورة الأم.