من هنا كان استثمار النظم في النقد الأدبي للنص مقتضيًا إخضاع كل عنصر وجانب من عناصر وجوانب بناء النص الأدبي للتحليل والتأويل وللتعليل الموضوعي، وربط ذلك كله بالمعنى الكلي، والغرض العام المنصوب له الكلام.
ذلك تبيان معالم المشروع النقدي لعبد القاهر في طوره التصوري النظري له، وهو كما ترى يكاد يبلغ حد النظرية المكتملة عناصرها، لتبقى من بعد ذلك الممارسة المعرفية والذوقية المسترشدة بتلك النظرية، دون أن يكون هنالك إخضاع قسري لحركة الممارسة الذوقية والتحليلية في النقد العملي للنص، بمعنى أن تكون الممارسة من قبيل النقد التحليلي العملي، وليس من قبيل النقد التطبيقي المهموم برؤية صورة التصور النظري في مرآة النص، كما نراه عند بعض أهل العلم من سعيهم إلى رؤية النظرية البلاغية أو النقدية التي ارتضاها قائمة في صفحة النص الذي عمد إلى درسه.
والنقد التحليلي العملي مهموم برؤية واقع النص على ما هو عليه، سواء كان مقاربًا نظرية معرفية وذوقية ما أو مفارقًا. فالتصور النظري في النقد التحليلي لا يعدو أن يكون أداة ووسيلة ينظر بها الواقع، وليس معيارًا يحاكم به واقع النصّ.
وإذا ما كنّا قد رأينا الإمام عبد القاهر قد منح التصور النظري كثيرًا من حقه ووفاه حسابه، فإننا حين نتابع الممارسة التذوقية التحليلية للنصوص فإنه يحسن بنا أن ننظر إلى صنيعه من جانبيين:
الأول: مبلغ استثمار ذلك التصور النظري في رؤية الواقع الأدبي للنص وتحليله في مستوياته التركيبية على اختلاف تفاسحها، بدءًا من الصورة الجزئية الماثلة في الجملة النحوية، إلى الصورة الكلية الماثلة في الجملة البيانية التي قد تحوي عديدًا من الجمل النحوية المرتبطة بنواسق لسانية، والمرتبطة بعلائق روحية منبثقة من داخلها هي.
والآخر: مدى المجال الذي امتدت إليه الممارسة التحليلية التذوقية، المستثمرة التصور النظري في رؤية الواقع الأدبي على المساحة النسيجية للنص الأدبي.