ولما كان النظم عمود بلاغة الخطاب، وكان نقد أي نص لابد أن يعنى بذلك العمود، فإن الإمام عبد القاهر يقيم نقده النص نقدًا أدبيًا، أي نقد ما به يكون الخطاب أدبًا على أمرين أساسين أكدهما الإمام عبد القاهر:
الأول: المنهج التحليلي الاستقصائي لكل مكونات وعناصر الخطاب الأدبي (1) .
والآخر: موضوعية التحليل والتعليل، والإبانة عن ذلك بلسان عربي مبين (2) .
(( ومثل هذا النقد مسهب، ومن ثمَّ فهو مديد طويل، إذ يستطيع أن يهتم بالعلاقات المتداخلة بين المعاني، ويتطرق إلى أدق صنوف تلك العلاقات، وأن يُعنى بأصغر العناصر في المبنى، وبالإيحاءات الجانبية، وبالظلال التي قد تمرّ دون أن يلحظها قارئ عارف بالأثر المنقود تمام المعرفة، وهي ظلال لا يلمحها إلا ذو تمرس لبيق بارع ) ) (3) .
وتأسيسًا على دعامتي التحليل الاستقصائي والتعليل الموضوعي، فإن المجال الرئيس لهذا النقد عند الإمام إنما هو العلائق الروحية بين معاني الكلم، والتي تتبعها ـ ضرورة عنده ـ العلائق الحسية بين ألفاظ الكلم (4) . وهذا يبين ويقرر أن القيم الأدبية للعلائق الحسية مرتبطة بل منبثقة من القيم الروحية لمعاني الكلام.
فالنقد الأدبي للنص ينبغي أن يوفي العلائق الروحية بين معانيه الجزئية والكلية، والعلائق الحسية بين ألفاظه وأنغامه حقهما، شريطة أن يكون المنطلق الذي تنقد منه العلائق الحسية للألفاظ هو العلائق الروحية لمعاني الكلام. وكل ذلك مرهون ـ أيضًا ـ بنقد علائق هذين الضربين من العلاقات بالمعنى الكلي، والغرض المنصوب له الكلام (5) .
(1) انظر: الدلائل: ص37 ف29.
(2) انظر: الدلائل: ص41 ف33.
(3) مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ديفيد دينشس، ترجمة محمد يوسف نجم: 469.
(4) انظر: الأسرار: ص5 ف3، 4، 5، 6، 7، 11، 12، 17، 19.
(5) انظر: الدلائل: ص87 ف80.