الصفحة 67 من 117

ويؤكد أن البيت في شعر العربي يحسن حين تكون له في نفسه قيمة، تتسامى حين يكون في قومه وشقائقه، ما قاله الشاعر عمر بن لجأ لبعض الشعراء:"أنا أشعر منك"، قال:"وبم ذلك؟"فقال:"لأني أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمه" (1) . فانظر قوله:"أقول البيت وأخاه … وتقول البيت وابن عمه"أتراه قد جرد الأبيات من علائق النسب؟ إنه حريص على أن يبلغ بها حد التآخي الذي هو أعلى التناسب، ولم يرتض ما دونها مباشرة: البيت وابن عمه. ثم انظر: أترى الأخ فاقدًا قيمته في نفسه، وأنه مستجمع كل فضله من علائقه؟. تلك التي استحسنها ابن رشيق؛ أن يكون البيت نفسه ذا قيمة، فإذا تآخى مع شقائقه كان له القدح المعلى في الفضل والشرف.

وقد صّرح بذلك ابن أبي الإصبع قائلًا: (( إنَّ المستحسن من ذلك أن يكون كل بيت إذا أفرد قام بنفسه، واستقل معناه بلفظه، وإن ردفِه مجاوره صار بمنزلة البيت الواحد، بحيث يعتقد السامع أنهما إذا انفصلا تجزَّأ حسنهما، ونقص كمالهما، وتقسَّم معناهما، وهما ليسا كذلك، بل حالهما في كمال الحسن وتمام المعنى مع الانفراد والاختراق كحالهما مع الالتئام والاجتماع ) ) (2) .

ولو أنّ ابن أبي الإصبع قال في خاتمة قوله:"بل حالهما في كمال الحسن وتمام المعنى مع الانفراد والافتراق يسمو ويتكاثر مع الالتئام والاجتماع"؛ لأن للتآخي والاجتماع فضلًا لا يكون بغيرهما، وهو فضل ليس من فوقه فضل.

(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة: 1/90، ط سنة 1966م.

(2) تحرير التحبير: 425، ت/ حفني شرف، ط سنة 1383هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت