وإذا ما تأمل ما عدّه الإمام عبد القاهر من هذا النمط العالي، رأيت العلائق بين جمل لا مفردات، ورأيت العلائق أساسها التناسل، وليس أساسها التقارن والتجاور. وهو في هذا لا يفرق بين ما يعرف بأساليب البديع وغيرها، فمن النظم العالي ما هو حسن تقسيم وحسن مقابلة ومزاوجة … وكل هذا عند المتأخرين من المحسِّنات، ولكن الاعتداد عند الإمام بشدة ترابط أجزاء الكلام.
ومن قبل الإمام نرى أبا عثمان الجاحظ يؤذن فينا بقوله: (( وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغًا واحدًا، وسبك سبكًا واحدًا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان ) ) (1) .
ولست بالمستغني هنا عن تدقيق النظر في مقالة الجاحظ، ومقالة المرزوقي في"عمود الشعر"في الباب الخامس وعياره، وما قاله ابن رشيق في"العمدة" (2) ، وغير ذلك مما فاضت به أسفار النقاد.
ابن رشيق يستحسن البيت الدُّرَّة، وليس البيت العضو الذي يفقد قيمته تمامًا بأخذه وحده مفصولًا عن جسده. البيت عنده ذو خاصتين: الأولى من شبهه بالدرة الثمينة منضودة في عقد بديع، والأخرى من شبهه بالعضو المتلاحم مع بقية أعضاء الجسد.
ويؤيد ذلك أنه إنما استحسن افتقار البيت في قيمته إلى بقية شقائقه حين يكون الشعر قصصيًا؛ لأن شأن القصص بناء بعضه على بعض، بناء لا يتحقق لأجزائه قيمة في نفسها خارج نسقها، فهو يقول: (( فإن بناء اللفظ أجود هنالك من جهة السرد ) )، تأمل قوله:"من جهة السرد"فإنه قول ماجد.
(1) البيان والتبيين: 1/89، ط/ السندوبي.
(2) انظر: العمدة: 1/257، باب النظم.