الصفحة 65 من 117

في المزاوجة التي كشف عن مفهومها بأنْ تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معًا، يذكر بيتًا للبحتري من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان أولها:

متى لاح برق أو بدا طلل قَفْر جرى مستهلٌ لا بطئ ولا نزْرُ

يقول فيها: على أنها ما عندها لمواصل وِصالٌ، ولا عنها لمصطبِر صبرُ

إذا ما نهى الناهي فلجّ بيَ الهوى أصاخت إلى الواشي فلجّ بها الهجْرُ

فقد زاوج بين معنيين في الشرط والجزاء، أي جعل معنيين وقعا في الشرط، وهما"نهي الناهي"، و"إصاختها إلى الواشي"، ورتّب على كل معنى: اللجاج؛ لجاج الهوى به عند نهي الناهي، ولجاج الهجر بها عند إصاختها إلى الواشي. ترتّب اللجاج بالفاء في كلٍّ على شرطين متقابلين، ومن العادة كما يقول أهل العلم أن يختلف ما يترتب على كل لأنّهما يختلفان، ولكن الشاعر راعى في الشرط ما راعاه في الجواب، وعطف على الشرط ما عطفه على الجواب، مما يحقق اتحاد أجزاء الكلام، وتداخل معانيه، وتناسلها، وشدة ارتباط بعضها ببعض، فإذا رتبت على أحدهما غير ما رتبت على الآخر لم يتحقق ذلك التزاوج.

ومن هذه المزاوجة قول البحتري أيضًا:

إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها

رتّب فيضانًا على أمرين مختلفين: الاحتراب والتذكر، فزاوج بين شرط وما كان جوابًا له، وجعلهما معدنًا لشيء واحد على اختلافهما: اختلاف الجواب عن الشرط. ولو أنه قال:"إذا احتربت يومًا فتقطعت أرحامها، تذكرت القربى ففاضت دموعها"لم يكن من المزاوجة؛ لأنها لم ترتب فيضانًا على شرط وجزائه (1) .

(1) لمزيد من الفقه راجع: مدخل إلى كتابي عبد القاهر، لشيخي أبي موسى: 309-317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت