ويقرر الإمام أنّ ذلك غير كثير في الشعر، وأن العثور عليه يستوجب تنقيبًا وبحثًا: (( ثمَّ إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد، بل أن تفلي ديوانًا من الشعر حتى تجتمع منه عدة أبيات ) ). والنظرة العجلى في كلام الإمام تحسب أنه فيه إعلاء لما كان فيه الشعر قائمًا كل بيت من أبياته بنفسه، وأن هذا يتعارض بل يتناقض مع ما دعا إليه من اتحاد أجزاء الكلام وإفراغه إفراغًا واحدًا، فيكون من اتحاد معانيه أنْ صارت ألفاظه كأنها لفظة واحدة (1) .
وذلك الحسبان آت من أن صاحبه غفل من الجهة التي ينظر إليها الإمام هنا، والجهة التي ينظر إليها الإمام هنالك، هنالك ينظر إلى علائق معاني النص وتآخيها واتحادها وشدة ارتباطها في بناء الكلام. وهنا ينظر إلى ما تكون عليه أجزاء الكلام في نفسها من الحسن والشرف، فهو يطلب من الكلام العالي أن يكون في كل جزء من أجزائه بالغًا ذروة الحسن في مجاله، فإذا أضيف كل جزء وهو على ذلك الضرب من الشرف إلى شقائقه كان من ذلك التآخي ضرب آخر أسمى من ضروب الشرف، فكان الكلام جامعًا شرفًا على شرف وفضلًا على فضل. لكنه لا يدعو ألبتة إلى إعلاء ما ملك في نفسه شرف وجوده فريدًا، وافتقر إلى شرف وجوده نظيمًا منضودًا، وشأن المسلم التقي أنه في حال نفسه وعزلته ،إن قُضي له بها، شريفًا لا يُدانى ممن هو في مثل عزلته، فإن كان منسوجًا في قومه كان ذا شرف متضاعف لتكاثر روافده فيه. ولعل هذا يصور لنا وجه تفضيل بعض النقاد أن يكون كل بيت في القصيدة مالكًا في نفسه من مقومات الحسن مالا يجعله عاريًا منه إذا ما أفرد عن قومه ومجتمعه.
وحين تنظر فيما اصطفاه الإمام عبد القاهر نموذجًا لذلك النمط العالي والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمه فيه، كما يقول (2) ، فإنك تراه يقدم لنا أنماطًا من أسلوب المزاوجة والتشبيه المركب والتقسيم والجمع والمقابلة.
(1) الدلائل: ص 414، ف488.
(2) انظر: الدلائل: ص 95، ف84.