الصفحة 63 من 117

واستجماع الحسن من مجموع عناصر القصيدة يوحي ظاهره في صحبة استحضار النظم العالي الذي يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع، فيوضع في النفس وضعًا واحدًا. ولكن عبد القاهر يرمي إلى شيء آخر، وهو أن أجزاء الكلام في نفسها ليست على المدرجة العليا من إحكام النظم، بحيث يكون ما في بناء الجملة على حيالها من النظم ما هو العليّ الذي يزداد علوًا، بما يكون من تآخيها بالجمل الأخرى في نطاق الفقرة، فيكون حال الجملة فيه حال من يشرف باجتماعه مع قومه، فإذا أفرد عنهم عري مما كان عليه من قبل، أو عري من كثير منه.

ولا ريب في أن من كان اجتماعه مع غيره هو الخالق كل فضله أو أصله، لا يكون هو الأعلى، وليس ذلك شأن البيان العليّ، ولاسيما بيان الوحي: كتابًا وسنة.

إنك إذا أفردت الجملة القرآنية عن سياقها لم تفقد كل بلاغتها وإعجازها، ولكنك واجد فيها ما يكفيك بل يغنيك، فإذا ما جُمعت إلى شقائقها في سياقها، انتقلت بك من طور الكفاية والإغناء إلى طور الإدهاش والإبلاس، وكلما امتدّ السياق تكاثر الإعجاز والإدهاش والإبلاس. وهذا هو المستوى الثاني الأعلى من النظم، الذي يقول فيه الإمام: (( ومنه ما أنت ترى الحسن يهجُم عليك منه دفعة ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المُنّة وطول الباع، وحتى تَعلم، إنْ لم تَعلم القائلَ، أنه من قيل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يد صَنَاعٍ، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا، هذا !! وما كان كذلك فهو الشعر الشاعر، والكلام الفاخر، والنمط العالي الشريف، والذي لا تجده إلا في شعر الفحول البُزَّل، ثم المطبوعين الذين يُلْهَمون القول إلهامًا ) ) (1) .

(1) الدلائل: ص 88، ف81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت