الصفحة 62 من 117

وبمثلها يقول المرزوفي في عمود التلاحم وعياره: (( … فذلك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة … ) ).

وحين ننظر في كلام الجاحظ نجد أنه يجعل من ثمار تلاحم الأجزاء أن يجري الكلام على اللسان كما يجري الدهان، وهذا دال على أن العلائق الحسية في الكلام: علاقات الألفاظ في أدائها منبثقة من العلائق الروحية فيه، وأن تعالق المعاني وإفراغها إفراغًا واحدًا يثمر جريان الألفاظ على اللسان كما يجري الدهان. وهذا أيضًا تجده عند المرزوقي حين يجعل الباب الخامس من عمود الشعر:"التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن"، ويجعل عيار ذلك"الطبع واللسان".

وهذا معدن ما يذهب إليه عبد القاهر من أن علائق الألفاظ ونظمها منبثق من علائق المعاني ونظمها، أي: أن مضامين القول معدن شكله.

ومن تفاوت مستويات النظم عند عبد القاهر ما نراه في تفاوت ظهوره ومجاله، فمنه ما يهجم عليك من أول ما يلقاك، ومنه ما تتسلسل قطرات الندى من مجموعه، فلا تمتلئ قارورة الحسن إلا بآخر قطرة من آخر جملة. يقول الإمام: (( واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسنَ، كالأجزاء من الصِّبْغ تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تُكْبِر شأن صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والأستاذية وسَعَة الذَّرْع وشدة المُنَّة، حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات. وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري ) ) (1) ، وهو يشير إلى أبيات:"بلونا ضرائب من قد نرى".

(1) الدلائل: ص 88، ف81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت