فأنت تراه ينظر في مناطٍ فوق هذا النظم، ويبين أنه اتحاد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول … ذلك حال ما علا نظمه وفاق حبكه: اتحاد وتداخل وارتباط أجزاء، ومثل هذا لا ينحصر في أجزاء الجملة، بل هو غالب في علائق الجمل. فانظر قوله:"أجزاء الكلام"، وأنه يشترط فيه اتحادها، ومناطه العلائق الروحية بين معاني هذه الجمل، ودخول بعضها في بعض، ليس التراكب والتعاظل، بل هو التناسل، وهو تناسل معان، وذلك الاشتداد الدال على شد كل جزء أخاه ارتباطًا، فالشد لا يعني مجرد التعلق، ولو لأدنى مناسبة، كما نراه في مثل تعلق المفردات ببعضها، ولاسيما تعلق العطف بناسق، فذلك من قبيل الربط بعامل من خارج المتعلقين، وليس ارتباطًا. والفرق بين الربط والتعلق من جهة، وبين الارتباط والاعتلاق من أخرى، أن الأولين: الربط والتعلق يكون بناسق خارجي، وأن الآخرين: الارتباط والاعتلاق يكون بأمر داخلي من ذات المترابطين: ترى الأول في مثل ما يعرف عند البلاغين بـ"التوسط بين الكمالين"، وترى الآخر في مثل ما يعرف بـ"كمال الاتصال"و"شِبْهِه"، أو"الاتصال إلى الغاية".
والمهم في هذا أن الإمام عبد القاهر يؤكد ما يؤمن به من أن النظم العالي يجعل الكلام وإن تعددت أجزاؤه، كأنه لفظة واحدة، وأن المتكلم بهذا مثله: (( مَثَل من يأخذ قطعًا من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة ) ) (1) .
ومن قبله قالها الجاحظ في شأن أجزاء الكلام ذي النظم العالي: (( … تراها سهلة لينة، ورطبة مواتية، سلسلة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد ) ) (2) . (البيان والتبيين 1/89-ط/ السندوبي) .
(1) الدلائل: ص 412-413، ف487. وانظر كذلك: ص414، ف488.
(2) البيان والتبيين: 1/89، ط/السندوبي.