وهذا الذي قاله ابن أبي الإصبع دافع مقالة"طبانة"من أن وحدة القصيدة عند النقاد العرب متمثلة في البيت الواحد (1) ، ففضل البيت في نفسه لا يعني الاستغناء عندهم به عن فضل تآخيه وتلاحمه مع شقائقه وشدّة ارتباطه بسابقه ولاحقه، كأن الأبيات كلها أفرغت إفراغًا واحدًا، وصارت القصيدة من شدة التحامها والتصاقها كالبيت الواحد، بل كالكلمة الواحدة.
ذلك باب متسق لا يتأتى أن يُفرغ من كثير من قضاياه في مثل تلك العجالة.
يقول ابن رشيق في باب"النظم": (( ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيًا بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائمًا بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات وما شاكلها؛ فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد ) ) (2) .
وقد عاب بعض أهل العلم بالنقد العربي مقالة ابن رشيق، من أنه (( لا يستحسن ـ أي ابن رشيق ـ التماسكَ في الأبيات، وتلاقيها في اطراد الأفكار، إلا إذا كان ذلك في موضوع ذي عنصر قصصي، فالعنصر القصصي باعتبار أحداثه وشخصياته، من المكن أن تتضامّ الأفكار فيه، ويبنى الشعر بعضه على بعض؛ لأن طبيعة القصة تعين على ذلك، أما ما ليس فيه عنصر قصصي، فهو لا يستحسن ارتباط بعضه ببعض، بل هو يفضل أن يكون كل بيت قائمًا بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده ) ) (3) .
(1) التيارات المعاصرة في النقد الأدبي: 389، سنة 1963م.
(2) العمدة: 1/261.
(3) أصول النقد الأدبي، للدكتور طه أبو كريشة: 433.