كأني بالإمام عبد القاهر ناظر بعين ناقدة إلى مقالة"الآمدي"في"الموازنة"، ومقالة القاضي الجرجاني في"الوساطة"في شأن مواقع الكلام في النفس، وأن من الحسن مالا تمكن الإبانة عن أسبابه ومعالمه. يقول الآمدي: (( ألا ترى أنَّه قد يكون فرسان سليمين من كل عيب، موجود فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلاّ أهل الخبرة والدربة الطويلة، وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال المتقاربتان في الوصف السليمتان من كل عيب، قد يفرق بينهما العالم بأمر الرقيق، حتى يجعل بينهما في الثمن فضلًا كبيرًا، فإذا قيل له وللنخاس: من أين فضلت أنت هذه الجارية على أختها؟ ومن أين فضلت أنت هذا الفرس على صاحبه؟ لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما، وإنما يعرفه كل واحد بطبعه وكثرة دربته وطول ملابسته. فكذلك الشعر قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل العلم لصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحدًا وأيهما أجود في معناه إن كان معناه مختلفًا ) ).
وكمثله يذهب القاضي إلى أنه قد تكون صورتان حسيتان استوفت إحداهما أوصاف الكمال، والأخرى من دونها في انتظام المحاسن وهي أحظى بالحلاوة، وأعلق بالنفس، (( ثم لا تعلم وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت لهذه المزية سببًا ولما خصت به مقتضيًا … كذلك الكلام ... تجد منه المحكم الوثيق ... قد هُذِّب كل التهذيب ... ثم تجد لفؤادك عنه نبوة ) ).