الصفحة 7 من 117

الذي هو أبين عندي أنّ معالم الحسن في البيان درجات: منها ما يبلغ شأنًا لا تكاد الألسنة قادرة على الإفصاح عن سببه؛ لعلو قدره وسمو شرفه، فهو مما يتبينه القلب ولا يجد اللسان قدرة على الإيضاح عن تلك الدرجة من الحسن والجمال، أما مادون ذلك فإنها غير مستعصية على التعليل والتبيين معًا. وأنت إذا ما كشفت أسباب كثير من درجات الحسن، وبقيت منه درجة لشرفها وسموها لا يطاق الإفصاح عنها، فليس ذلك من التذوق الانطباعي في شيء.

والإمام عبد القاهر نفسه يقع تحت سلطان هذا، فهو لا يعلل أحيانًا ولا يبين عن العلة، وأحيانًا يحيلنا على ما نجد في أنفسنا من غير أن يضع يده أو أيدينا على معالم الحسن وأسبابه، وهذا ظاهر لمن يتلو كتابيه"الدلائل"و"الأسرار".

المهم أن الإمام عبد القاهر بنى منهجه في الوقوف على ما به تمام بلاغة الخطاب وفصاحته (أدبيته/ شعريته) ، وما به عمود تلك البلاغة، على التحليل والتفصيل، وعلى التذوق والتأويل الموضوعي، والتحاشي من الانطباع الذاتي غير القائم على معرفة موضوعية.

وإذا ما كان الإمام قد نسق سمات بلاغة الخطاب وفصاحته، كما رآها في مقالة العلماء في معنى البلاغة والفصاحة نسقًا جامعًا بين ما هو محقق لبلاغة الخطاب تمامَها وعمودَه، ولم يرتض الوقوف عند البيان الخفي المجمل، ودعا إلى التفصيل والتبيين في الأمرين معًا؛ فإنه قد بدأ بتفصيل مقومات بلاغة الخطاب، وتبيين الطريق إلى تحقيقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت