ولا نكاد نعلم أن أحدًا من أهل العلم بالشعر يقول إن كل شاعر أوعى بمعاني شعره وأبصر بدقائقه ولطائفه من كافة جهابذة النقد في عصره والعصور التالية له. ولو صحّ لكان أولى بكل شاعر أن يحلل شعره ليكفي الناس مؤونة الغوص على معانيه.
وجملة الأمر أن القول بأنه لا صنعة إلا في المعنى (المعنى الشعري) ، وأن صنعة الشاعر في معانيه هي كل شيء، ولا شأن له هو بالصنعة في ألفاظه، فإنها موكولة إلى معانيه، وأن المضمون (المعنى الشعري) سلطان قاهر على الشكل (الألفاظ) ، وأن كل مضمون (معنى شعري) هو المصطفي شكله (ألفاظه: إفرادًا وتركيبًا وتصويرًا وتحبيرًا) ، القول بكل ذلك لا يسلم به على عواهنه، فإنّ فيه مقالًا للمناقدة متسِعًا.
وبقي أمر أجّلت القول فيه إلى هذا الموضع على جلاله من أنه لا يتعلق بأمر النظم عنده في باب نقد الأدب شعرًا ونثرًا، ولكنه يتعلق بأمر النظم عنده في باب أجل من باب نقد الأدب، إنه باب إعجاز القرآن:
الإمام عبد القاهر جاعل النظم نظم معان في النفس وترتيب لها في العقل، وأن ترتيب الألفاظ ليس مجال الصنعة، فالنظم الذي هو عمود بلاغة الخطاب مجاله ومناطه المعاني القائمة في النفس. وهو لا يفرق في هذا بين النظم في بيان القرآن الكريم والنظم في الإبداع الأدبي، ونحن وإن لم نعارضه بالقول بالمعاني النفسية في شأن كلام البشر لما يراه الواحد من نفسه حيث يعد معانيه في نفسه إعدادًا لا ينفصل عن استخدام اللغة أيضًا، فنحن إنما نفكر بالكلمات ولا وجود للمعاني مجردة من الألفاظ في أي طور، سواء في وجودها النفسي في داخل الصدر، أو في وجودها اللساني، حيث تتلقاها الآذان سارية في الألفاظ المركبة سريان الروح في أعضاء الجسد، لا يعرف لها فيها مكان متعين.