الصفحة 42 من 117

ذلك مؤدى ما يذهب إليه الإمام، ولكن الذي يشهد به الواقع الإبداعي لا يسلم بذلك على عمومه، فإن ضربًا من ترتيب الكلم واستبدالها ذاتًا وموقعًا قد يكون مرده إلى تحقيق تناغم وتناغ لا يحدث في المعنى دغلًا.

وأمر آخر، ظاهر كلام عبد القاهر أن المتكلم في حال التفكير وإعداد معانيه وترتيبها لا يلقي بالًا للألفاظ، وأنه يحدث فكرًا مجردًا في نفسه من الألفاظ، وهذا أمر لا يشهد به الواقع، فكل مفكّر هو مفكر باللغة، هو متكلم في نفسه بلغة وألفاظ؛ ولذلك حين يستغرق بعض المفكرين تجده قد غلبته الألفاظ فجرت على لسانه، فيقال إنه يكلم نفسه، والحق أنه يفكر كمثل كل من يفكر وإنْ علا صوت تفكيره.

وأمر ثالث يترتب على نهج عبد القاهر: مؤدى كلامه أن كل مبدع لابد أن يكون واعيًا مسيطرًا قاصدًا معيّنًا كل دقيقة في معانيه الشعرية في قصيد أو نثير، وأن ما هو قائم في بطنه من المعاني متطابق معه، لا يزيد ولا ينقص ما يؤخذ من بيانه، وأنه ليست شاردة ولا واردة إلا وهو بها جد عليم وجد قاصد، وأن جهابذة النقد لا يقولون إلا ما علمه الشاعر ووعاه وقصده، وكل ما يستخرجه النقاد من النص إنما هو بعض ما قصده الشاعر ووعاه وعلمه، وأنَّ الشاعر هو أعلم الناس بما في رحم نصه، وكل النقاد عالة على الشاعر، ومِنْ دونه بكثير في فقه الشعر و تأويله.

وهذا إن صححه الإمام ـ ولا أخاله فاعلًا ـ يدفعه الواقع، فإن كثيرًا من الشعراء لا يكادون يعون كثيرًا من دقائق الفكر ورقائق الشعور فيما أبدعوا، وأنهم ما لم يكونوا أئمة في النقد مثلما هم في الشعر لن يبلغوا في فقه النّص وتأويله ما يبلغه جهابذة النقد. أيظن أن أبا الطيب المتنبي أوعى بمعاني شعره من كل النقاد في زمانه وما جاء من بعده من أزمان؟!

وهذا يصادمه مقالة أبي الطيب في أبي الفتح:"ابن جني أعرف بشعري مني"، ومقالته:"عليكم بالشيخ الأعور: ابن جني، فسلوه، فإنه بقول ما أردت وما لم أرده".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت