الصفحة 41 من 117

وما تراه من ترتيب في الألفاظ ليس هو ثمرة التفكير فيها، (( ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة [أي بسبب التفكير في المعاني وترتيبها في العقل] ، من حيث إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها. فإذا وجب لمعنى أن يكون أولًا في النفس وجب لِلَّفْظ الدّال عليه أن يكون مثله أولًا في النطق ) ) (1) . فالذي يقتضي أن تكون هذه الكلمة هنا وتلك هناك إنما هو معنى الكلام والغرض فيه، ومن ثمّ (( لا يتصور أن يعرف للفظ موضعًا من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظٌ ترتيبًا ونظمًا.

وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك، فإذا تمَّ لك ذلك أتبعتها الألفاظ وتقوت بها آثارها.

وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها ولاحقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق )) (2) .

ومعنى هذا أنّ النظم والترتيب والتأليف والتركيب وما شاكل ذلك مما هو عمود بلاغة الخطاب وفصاحته إنما هو نظم معان، فمناط بلاغة الخطاب معانيه وليس ألفاظه، وما ألفاظه مرتبة ومركبة على هدي ترتيب المعاني وتركيبها إلا صورة انعكاس ما في النفس من نظم المعاني وتركيبها.

وإذا كان الإمام مؤكدًا أنك إذا ما فرغت من ترتيب معانيك في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب ألفاظك … فإن ما يعرف بالتنقيح والتحكيك عند شعراء مدرسة"عبيد الشعر"قديمًا وحديثًا إنما هو تنقيح في المعاني لا في الألفاظ، واستبدال كلمة موضع أخرى مرده إلى المعنى لا إلى ما يحدثه الاستبدال من توقيع صوتي لا علاقة له بالمعنى، وإنّ الشاعر الفحل لا يوقع عدولًا في التوقيع الصوتي باستبدال كلمة إلا إذا كان باعثه معنويًا لا صوتيًا مجردًا.

(1) الدلائل: ص52، ف45.

(2) الدلائل: ص53، ف47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت