وهذا ما لا يملّ الإمام عبد القاهر من تكراره وتصريف البيان عنه في مواطن عديدة، حتى يكون ذلك موطن العناية بالتأمل والمناقدة، التي لا تنتهي مع الإنصاف والموضوعية إلا إلى التسليم به وتقريره واتخاذه ركنًا ركينًا. ولذا تسمعه في فقرة تالية يؤكِّد أنه (( ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل ) ) (1) .
والاقتضاء العقلي مجاله فيما هو موضوع الفكر والتأمل، وأنت لا تذهب وإن بالغت إلى أنّ المتكلم منفق مكنوز فكره في الألفاظ من حيث هي أصوات تشقشق به الألسنة، بل الأمر على غيره؛ مناط الفكر وموضوع التأمل هو المعاني القائمة في نفس المتكلم، ومناط الفكر هو مناط النظم والترتيب والتأليف والتركيب، فبناء الكلام في أصله بناء روحي جُوانيّ، وليس بناء حسيًا برّانيًّا منفصلًا.
ويكرر هذا عبد القاهر ويصرف بيانه عنه ليتقرر (( أنّ هذا النظم الذي يتواصفه البلغاء، وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله صنعة يستعان عليها بالفكر لا محالة. وإذا كانت مما يستعان عليها بالفكرة ويستخرج بالروية، فينبغي أن ينظر في الفكر بماذا تلبس؟ أبالمعاني أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين المعاني والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويره … ) ) (2) .
فهو كما ترى ذاهب إلى أنّ مناط الصنعة هو مناط الفكر والتأمل، وليس ذلك إلا فيما كان من جنسه مما يدرك بالقلوب والأرواح، وهو المعاني لا الألفاظ.
(1) الدلائل: ص41، ف49.
(2) الدلائل: ص41، ف44.