الصفحة 39 من 117

أما عبد القاهر فلا يرى علاقة بين الدال والمدلول في نظم حروف الكلمة، إذْ إنّ الكلمات عنده قد وضعت إزاء معانيها لغير ما حكمة ناظرة إلى منهج نظم حروف الكلمة، لأن القول بأن هنالك علاقة معنوية بين نظم حروف الكلمة ومعنى تلك الكلمة يؤدّي إلى أن يكون بملك السامع أن يعرف معنى الكلمة بالنظر في حروفها، وإن لم يسبق له سمع وعلم بمعناها الوضعي من سابق عليه، والواقع ناطق بأن المرء لا يعرف معنى الكلمة إلا إذا سبق تعليمه لها نطقًا ودلالة، ولذلك تجد الكلمة في اللسان الواحد (العربية مثلًا) تدل على المعنى وغيره، بل تدل على المعنى وضده كما يعرف عند علماء اللغة بالتضاد، وهو في العربية غير قليل، يفصل السياقُ وقرائنُ الكلام المرادَ، ويعينه من المعنيين المتضادين.

ولكن يبقى في القول باعتباطية الوضع غصة في الحلق، ولا سيما إذا قلنا إن اللغة توقيف في أصلها الأول، وليس مواضعة (اصطلاحية) ، فالذكر الحكيم صريح في أن الله عزَّ وجلّ هو الذي علم آدم الأسماء كلها. وهل وضْع الحق جل جلاله الألفاظ أو الأسماء ـ كما ذكر القرآن الكريم ـ إزاء معانيها هو وضع اعتباطي ليس من ورائه حكمة؟ أيمكن لنا أن نقول، أو أن نرتضي من أحد أن يقول؟!

أما نظم الكلمات في دائرة الكلام فإن الأمر ـ عند الإمام ـ على خلاف ما عليه نظم الحروف في الكلمة. أنت في نظم كلامك من كلمات، تولي الكلمة الكلمة في نطقك وأدائك مقتفيًا آثار المعاني، وجاعلًا ترتيبها في لسانك على حذو ترتيبها في جنانك (1) .

هو نظم تابع نظمًا آخر سابقًا عليه، هو المرجوع إليه والمنظور فيه، هو نظم المعاني في نفس المتكلم، فذلك هو الجدير بالاعتبار عند الإمام.

(1) انظر: الدلائل: ص49، ف40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت