ليس هذا فحسب، إننا نجد أبا فهر: محمود شاكر يكتب مقالات في مجلة"المقتطف"سنة 1940م تحت عنوان:"علم معاني أصوات الحروف: سرّ من أسرار العربية ترجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية". يقرر في مفتتح هذه المقالات أنه يرمي إلى (( تفسير ألفاظ العربية بدلالة الحروف على معان أصلية ثابتة في طبيعة أصحاب السليقة العربية الأولى، الذين تلقينا عنهم بيان هذا اللسان العربي المبين ) ). وهو يفسر له مراده من معاني أصوات الحروف بأنه: (( ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف ـ لا الحرف نفسه ـ من المعاني النفسية التي يمكن أن تنبض بها موجة اندفاعه من مخرجه من الحلق أو اللهاة أو الحنك أو الشفتين أو الخياشيم، وما يتصل بكل هذه من مقومات نعت الحرف المنطوق، وليست المعاني النفسية ـ أو العواطف أو الإحساس ـ هي كل ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف، بل هو يستطيع أن يحتمل أيضًا صورًا عقلية معبرة عن الطبيعة وما فيها من المادة، وما يتصل بذلك من أحداثها أو حركاتها أو أصواتها أو غير ذلك … ) ) (1) .
ومعنى هذا أن امتداد النظر في معاني أصوات الحروف وربطها بمواقعها في الكلم يعين على الإحساس بجماع المعاني النفسية والعقلية للكلمة التي تشكلت من تلك الحروف. وأن تقديم حرف عن موضوعه يتبعه تقديم عنصر من عناصر المعاني النفسية والعقلية لذلك الصوت المتقدم، على نحو ما نراه من تقديم وتأخير في الفعل (علم/ عمل) مثلًا. وفي هذا ما يهدي إلى أن مواقع أصوات الحروف هادية إلى مواقع عناصر المعاني النفسية والعقلية لجماع معنى الكلمة. ذلك ما يؤخذ من شيخ علماء العربية في عصرنا: أبي فهر عليه الرحمة والسكينة.
(1) المقتطف: مجلد96، ج3، ص41.